فهرس الكتاب

الصفحة 3389 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا مِمَّنْ كُلِّفَ صَوْمَهُ أَوْ كَانَ صَحِيحًا غَيْرَ مَرِيضٍ، وَكَانَ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. يَقُولُ: فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ فِي سَفَرِهِ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يَعْنِي مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غَيْرِ أَيَّامِ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ. وَالرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

نَظِيرُ الرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}

وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ هُنَالِكَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

فَإِنَّ قِرَاءَةَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}

وَعَلَى ذَلِكَ خُطُوطُ مَصَاحِفِهِمْ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ خِلَافَهَا لِنَقْلِ جَمِيعِهِمْ تَصْوِيبَ ذَلِكَ قَرْنًا عَنْ قَرْنٍ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ» .

ثُمَّ اخْتَلَفَ قُرَّاءُ ذَلِكَ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}

فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا فُرِضَ الصَّوْمُ، وَكَانَ مَنْ أَطَاقَهُ مِنَ الْمُقِيمِينَ صَامَهُ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ وَافْتَدَى فَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ مِسْكِينًا حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ قَوْلِهِ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

حُكْمًا خَاصًّا لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْعَجُوزِ اللَّذَيْنِ يُطِيقَانِ الصَّوْمَ كَانَ مُرَخَّصًا لَهُمَا أَنْ يَفْدِيَا صَوْمَهُمَا بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ، وَيُفْطِرَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}

فَلَزِمَهُمَا مِنَ الصَّوْمِ مِثْلُ الَّذِي لَزِمَ الشَّابَّ إِلَّا أَنْ يَعْجَزَا عَنِ الصَّوْمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي كَانَ لَهُمَا قَبْلَ النَّسْخِ ثَابِتًا لَهُمَا حِينَئِذٍ بِحَالِهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}

لَمْ يُنْسَخُ ذَلِكَ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ حُكْمٌ مُثْبَتٌ مِنْ لَدُنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. وَقَالُوا: إِنَّمَا تَأْوِيلُ ذَلِكَ: عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ وَفِي حَالِ شَبَابِهِمْ، وَحَدَاثَتِهِمْ، وَفِي حَالِ صِحَّتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ إِذَا مَرِضُوا وَكَبِرُوا فَعَجَزُوا مِنَ الْكِبَرِ عَنِ الصَّوْمِ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ لَا أَنَّ الْقَوْمَ كَانَ رُخِّصَ لَهُمْ فِي الْإِفْطَارِ وَهُمْ عَلَى الصَّوْمِ قَادِرُونَ إِذَا افْتَدَوْا.

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}

لِأَنَّ الْهَاءَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}

مِنْ ذَكْرِ الصِّيَامِ. وَمَعْنَاهُ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَامَ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْجَمِيعُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُطِيقًا مِنَ الرِّجَالِ الْأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ غَيْرِ الْمُسَافِرِينَ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ، وَالِافْتِدَاءُ مِنْهُ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ. هَذَا مَعَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ صَوْمِهِ وَسُقُوطِ الْفِدْيَةِ عَنْهُمْ، وَبَيْنَ الْإِفْطَارِ وَالِافْتِدَاءِ مِنْ إِفْطَارِهِ بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}

فَأَلْزَمُوا فَرْضَ صَوْمِهِ، وَبَطَلَ الْخِيَارُ، وَالْفِدْيَةُ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ تَدَّعِي إِجْمَاعًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ مَنَ أَطَاقَ صَوْمَهُ وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْتُ فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ إِلَّا صَوْمُهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْحَامِلُ، وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا لَهُمَا الْإِفْطَارُ، وَإِنْ أَطَاقَتَا الصَّوْمَ بِأَبْدَانِهِمَا، مَعَ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَغَدَّى فَقَالَ: «تَعَالَ أُحَدِّثْكَ، إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ» ؟

قِيلَ: إِنَّا لَمْ نَدَعْ إِجْمَاعًا فِي الْحَامِلِ، وَالْمُرْضِعِ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا فِي الرِّجَالِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ.

فَأَمَّا الْحَامِلُ، وَالْمُرْضِعُ فَإِنَّمَا عَلِمْنَا أَنَّهُنَّ غَيْرُ مَعْنِيَّاتٍ بِقَوْلِهِ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}

وَخَلَا الرِّجَالِ أَنْ يَكُونُوا مَعْنِيِّينَ بِهِ لِأَنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ مَعْنِيَّاتٍ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ لَقِيلَ: وَعَلَى اللَّوَاتِي يُطِقْنَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ الْعَرَبِ إِذَا أُفْرِدَ الْكَلَامُ بِالْخَبَرِ عَنْهُنَّ دُونَ الرِّجَالِ؛ فَلَمَّا قِيلَ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}

كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، أَوِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. فَلَمَّا صَحَّ بِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَطَاقَ مِنَ الرِّجَالِ الْمُقِيمِينَ الْأَصِحَّاءِ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَيْرُ مُرَخَّصٍ لَهُ فِي الْإِفْطَارِ وَالِافْتِدَاءِ، فَخَرَجَ الرِّجَالُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مَعْنِيِّينَ بِالْآيَةِ، وَعَلِمَ أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يُرَدْنَ بِهَا لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ عَنِ النِّسَاءِ إِذَا انْفَرَدَ الْكَلَامُ بِالْخَبَرِ عَنْهُنَّ وَعَلَى اللَّوَاتِي يُطِقْنَهُ، وَالتَّنْزِيلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت