الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِاتِّخَاذِهِ مُصَلًّى؛ وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَقِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَبَعْضِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ}
{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
فَكَانَ الْأَمْرُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَبِاتِّخَاذِ الْمُصَلَّى مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: (وَاتَّخَذُوا) بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَاتَّخَذُوا) إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: تَأْوِيلُهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَإِذِ اتَّخَذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: بَلْ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {جَعَلْنَا}
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَاتَّخِذُوهُ مُصَلًّى.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: {وَاتَّخِذُوا}
بِكَسْرِ الْخَاءِ، عَلَى تَأْوِيلِ الْأَمْرِ بِاتِّخَاذِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؛ لِلْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
وَفِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ: هُوَ الْحَجُّ كُلُّهُ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ عَرَفَةُ وَالْمُزْدَلِفَةُ وَالْجِمَارُ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ: الْحَرَمُ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ: الْحَجَرُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ حِينَ ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ، وَضَعُفَ عَنْ رَفْعِ الْحِجَارَةِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ مَقَامُهُ الَّذِي هُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَالْمَقَامُ: هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي كَانَتْ زَوْجَةُ إِسْمَاعِيلَ وَضَعَتْهُ تَحْتَ قَدَمِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ غَسَلَتْ رَأْسَهُ، فَوَضَعَ إِبْرَاهِيمُ رِجْلَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ ثُمَّ دَفَعَتْهُ مِنْ تَحْتِهِ وَقَدْ غَابَتْ رِجْلُهُ فِي الْحَجَرِ، فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الشِّقِّ الْآخَرِ فَغَسَلَتْهُ، فَغَابَتْ رِجْلُهُ أَيْضًا فِيهِ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ مِنْ شَعَائِرِهِ، فَقَالَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} .
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا مَا قَالَهُ الْقَائِلُونَ: إِنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ: هُوَ الْمَقَامُ الْمَعْرُوفُ بِهَذَا الِاسْمِ، الَّذِي هُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لَمَّا رُوِّينَا آنِفًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:"اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} "
فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ""
فَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يُنْبِئَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا عَنَى بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِاتِّخَاذِهِ مُصَلًّى هُوَ الَّذِي وَصَفْنَا. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى صِحَّةِ مَا اخْتَرْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ مَا قُلْنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ مَحْمُولٌ مَعْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمَعْرُوفِ دُونَ بَاطِنِهِ الْمَجْهُولِ، حَتَّى يَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي النَّاسِ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْمُصَلَّى الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمُدَّعَى
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: اتَّخِذُوا مُصَلًّى تُصَلُّونَ عِنْدَهُ.
وعَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «هُوَ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ» فَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا تَأْوِيلُ الْمُصَلَّى هَا هُنَا الْمُدَّعَى، وَجَّهُوا الْمُصَلَّى إِلَى أَنَّهُ مُفَعَّلٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صَلَّيْتُ بِمَعْنَى دَعَوْتُ.
وَقَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْحَجُّ كُلُّهُ فَكَانَ مَعْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَاتَّخِذُوا عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةَ وَالْمَشْعَرَ وَالْجِمَارَ وَسَائِرَ أَمَاكِنِ الْحَجِّ الَّتِي كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُومُ بِهَا مَدَاعِيَ تَدْعُونَنِي عِنْدَهَا، وَتَأْتَمُّونَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهَا، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَوْلِيَائِي وَأَهْلِ طَاعَتِي إِمَامًا يَقْتَدُونَ بِهِ وَبِآثَارِهِ، فَاقْتَدُوا بِهِ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْقَائِلِينَ الْقَوْلَ الْآخَرَ، فَإِنَّهُ: اتَّخِذُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى تُصَلُّونَ عِنْدَهُ، عِبَادَةً مِنْكُمْ، وَتَكْرِمَةً مِنِّي لِإِبْرَاهِيمَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.