الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِتَرْخِيصِهِ لَكُمْ فِي حَالِ مَرَضِكُمْ وَسَفَرِكُمْ فِي الْإِفْطَارِ، وَقَضَاءِ عِدَّةِ أَيَّامٍ أُخَرَ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرْتُمُوهَا بَعْدُ إِقَامَتِكُمْ وَبَعْدَ بُرْئِكُمْ مِنْ مَرَضِكُمُ التَّخْفِيفَ عَلَيْكُمْ، وَالتَّسْهِيلَ عَلَيْكُمْ لِعِلْمِهِ بِمَشَقَّةِ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ.
{وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}
يَقُولُ: وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الشِّدَّةَ، وَالْمَشَقَّةَ عَلَيْكُمْ، فَيُكَلِّفُكُمْ صَوْمَ الشَّهْرِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، مَعَ عِلْمِهِ شِدَّةَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ وَثِقَلَ حَمْلِهِ عَلَيْكُمْ لَوْ حَمَّلَكُمْ صَوْمَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}
عِدَّةَ مَا أَفْطَرْتُمْ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أَوْجَبَتْ عَلَيْكُمْ قَضَاءَ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ بَعْدَ بُرْئِكُمْ مِنْ مَرَضِكُمْ، أَوْ إِقَامَتِكُمْ مِنْ سَفَرِكُمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الَّذِي عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}
عَطَفَتْ؟
قِيلَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا كَأَنَّهُ قِيلَ: وَيُرِيدُ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: وَهَذِهِ اللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَلِتُكْمِلُوا}
لَامُ كَيْ، لَوْ أُلْقِيَتْ كَانَ صَوَابًا.
قَالَ: وَالْعَرَبُ تُدْخِلُهَا فِي كَلَامِهَا عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ بَعْدَهَا، وَلَا تَكُونُ شَرْطًا لِلْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَفِيهَا الْوَاوُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: جِئْتُكَ لِتُحْسِنَ إِلَيَّ، وَلَا تَقُولُ: جِئْتُكَ وَلِتُحْسِنَ إِلَيَّ؛ فَإِذَا قُلْتَهُ فَأَنْتَ تُرِيدُ: وَلِتُحْسِنَ جِئْتُكَ.
قَالَ: وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، مِنْهُ قَوْلِهِ: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةٌ}
وَقَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}
وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ الْوَاوُ كَانَ شَرْطًا عَلَى قَوْلِكَ: أَرَيْنَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَكُونَ، فَإِذَا كَانَتِ الْوَاوُ فِيهَا فَلَهَا فِعْلٌ مُضْمَرٌ بَعْدَهَا، وَ «لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» أَرَيْنَاهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}
لَيْسَ قَبْلَهُ لَامٌ بِمَعْنَى الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}
فَتَعْطِفُ بِقَوْلِهِ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}
عَلَيْهَا، وَإِنَّ دُخُولَ الْوَاوِ مَعَهَا يُؤْذِنُ بِأَنَّهَا شَرْطٌ لِفِعْلٍ بَعْدَهَا، إِذْ كَانَتِ الْوَاوُ لَوْ حُذِفَتْ كَانَتْ شَرْطًا لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْفِعْلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِتُعَظِّمُوا اللَّهَ بِالذِّكْرِ لَهُ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهِ مِنَ الْهِدَايَةِ الَّتِي خَذَلَ عَنْهَا غَيْرَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ مِثْلُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْكُمْ فِيهِ، فَضَلُّوا عَنْهُ بِإِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَخَصَّكُمْ بِكَرَامَتِهِ فَهَدَاكُمْ لَهُ، وَوَفَّقَكُمْ لِأَدَاءِ مَا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ صَوْمَهِ، وَتَشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِالْعِبَادَةِ لَهُ. وَالذِّكْرُ الَّذِي خَصَّهُمُ اللَّهُ عَلَى تَعْظِيمِهِ بِهِ التَّكْبِيرَ يَوْمَ الْفِطْرِ فِيمَا تَأَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَلِتَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ. وَتَيْسِيرِ مَا لَوْ شَاءَ عُسِّرَ عَلَيْكُمْ. وَ «لَعَلَّ» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى «كَيْ» ، وَلِذَلِكَ عُطِفَ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}