فهرس الكتاب

الصفحة 3089 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَمَنِ اضْطُرَّ}

فَمَنْ حَلَّتْ بِهِ ضَرُورَةُ مَجَاعَةٍ إِلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ إِنْ أَكَلَهُ.

وَقَوْلُهُ: {فَمَنِ اضْطُرَّ}

افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ، «وَغَيْرَ بَاغٍ» نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ «مَنِ» فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَنِ اضْطُرَّ لَا بَاغِيًا، وَلَا عَادِيًا فَأَكَلَهُ، فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَمَنِ اضْطُرَّ}

فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهِ فَأَكَلَهُ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}

فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ مُخْتَلِفُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {غَيْرَ بَاغٍ}

غَيْرَ خَارِجٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ بِسَيْفِهِ بَاغِيًا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ جَوْرٍ، وَلَا عَادِيًا عَلَيْهِمْ بِحَرْبٍ وَعُدْوَانٍ فُمُفْسِدٌ عَلَيْهِمُ السَّبِيلَ

وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}

غَيْرَ بَاغٍ الْحَرَامَ فِي أَكْلِهِ، وَلَا مُعْتَدِّ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مِنْهُ.

عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}

قَالَ: غَيْرَ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ، وَلَا عَادٍ أنْ يَتَعَدَّى حَلَالًا إِلَى حَرَامٍ وَهُوَ يَجِدُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً""

وَقَالَ آخَرُونَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ}

فِي أَكْلِهِ شَهْوَةً {وَلَا عَادٍ}

فَوْقَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ.

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ}

بِأَكْلِهِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلِهِ {وَلَا عَادٍ}

فِي أَكْلِهِ، وَلَهُ عَنْ تَرْكِ أَكْلِهِ بِوُجُودِ غَيْرِهِ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَغِنًى، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُرَخِّصْ لِأَحَدٍ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَارِجَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْقَاطِعَ الطَّرِيقَ، وَإِنْ كَانَا قَدْ أَتَيَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِنْ خُرُوجِ هَذَا عَلَى مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ وَسَعْيِ هَذَا بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَغَيْرُ مُبِيحٍ لَهُمَا فِعْلُهُمَا مَا فَعَلَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مَا كَانَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا قَبْلَ إِتْيَانِهِمَا مَا أَتَيَا مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمَا، بَلْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمَا وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِمَا إِلَى مَحَارِمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمًا فَغَيْرُ مُرَخِّصٍ لَهُمَا مَا كَانَ عَلَيْهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ حَرَامًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَالْبُغَاةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْعَادِلَةِ، الْأَوْبَةُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى مَا أَلْزَمَهُمَا اللَّهُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ، وَالتَّوْبَةَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ لَا قَتْلُ أَنْفُسِهِمَا بِالْمَجَاعَةِ، فَيَزْدَادَانِ إِلَى إِثْمِهِمَا إِثْمًا، وَإِلَى خَلَافِهِمَا أَمْرَ اللَّهِ خِلَافًا.

وَأَمَّا الَّذِي وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ شَهْوَةٍ، فَأَكَلَ ذَلِكَ شَهْوَةً لَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ الْمَخُوفِ مِنْهَا الْهَلَاكُ مِمَّا قَدْ دَخَلَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلَفْظِهِ مُخَالِفًا. فَأَمَّا تَوْجِيهُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَلَا عَادٍ}

وَلَا آكِلٌ مِنْهُ شِبَعُهُ، وَلَكِنْ مَا يُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْضَ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ مَعْنًى فَيُقَالُ عَنَى بِهِ بَعْضَ مَعَانِيهِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ الِاعْتِدَاءُ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ الْمُحَرَّمَةِ.

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

يَقُولُ: مِنْ أَكْلِ ذَلِكَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا فَلَا تَبَعَةَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَا حَرَجَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ إِنْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ فِي إِسْلَامِكُمْ فَاجْتَنَبْتُمْ أَكْلَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَتَرَكْتُمُ اتِّبَاعَ الشَّيْطَانِ فِيمَا كُنْتُمْ تُحَرِّمُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ، طَاعَةً مِنْكُمْ لِلشَّيْطَانِ وَاقْتِفَاءً مِنْكُمْ خُطُوَاتِهِ، مِمَّا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ لِمَا سَلَفَ مِنْكُمْ فِي كُفْرِكُمْ وَقَبْلَ إِسْلَامِكُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ خَطَأٍ، وَذَنْبٍ، وَمَعْصِيَةٍ فَصَافِحٌ عَنْكُمْ، وَتَارِكٌ عُقُوبَتَكُمْ عَلَيْهِ، رَحِيمٌ بِكُمْ إِنْ أَطْعَتْمُوهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت