فهرس الكتاب

الصفحة 4125 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ}

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَهَدْيُهُ جَزَاءٌ لِاسْتِمْتَاعِهِ بِإِحْلَالِهِ مِنْ إِحْرَامِهِ الَّذِي حَلَّ مِنْهُ حِينَ عَادَ لِقَضَاءِ حَجَّتِهِ الَّتِي أُحْصِرَ فِيهَا وَعُمْرَتِهِ الَّتِي كَانَتْ لَزِمَتْهُ بِفَوْتِ حَجَّتِهِ, فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ فِي حَجِّهِ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَوْمَهُنَّ فِي الْحَجِّ، أَيْ أَيُّ أَيَّامٍ الْحَجِّ هُنَّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُنَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَيَّامِ حَجِّهِ, أَيَّ أَيَّامٍ شَاءَ بَعْدَ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِآخِرِهِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ آخِرُهُنَّ انْقِضَاءُ يَوْمِ مِنًى

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي يَفُوتُهُ الصِّيَامُ أَيَّامَ مِنًى»

وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ: آخِرُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ صَوْمَهُنَّ فِي الْحَجِّ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ مِنَ الْمُتَمَتِّعِينَ يَوْمُ عَرَفَةَ, أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَوْجَبَ صَوْمَهُنَّ فِي الْحَجِّ بِقَوْلِهِ: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} ، قَالُوا: وَإِذَا انْقَضَى يَوْمُ عَرَفَةَ فَقَدِ انْقَضَى الْحَجُّ, لِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ، يَوْمُ إِحْلَالٍ مِنَ الْإِحْرَامِ.

قَالُوا: وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ، قَالُوا: فَإِنْ يَكُنْ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهُ غَيْرُ جَائِزٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ, فَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ بَعْدَهُ أَحْرَى أَنْ لَا تَكُونَ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ ; لِأَنَّ أَيَّامَ الْحَجِّ مَتَى انْقَضَتْ مِنْ سَنَةٍ, فَلَنْ تَعُودَ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى بَعْدَهَا. أَوْ يَكُونَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهُ غَيْرُ جَائِزٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ, فَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الَّتِي بَعْدَهُ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ, وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ صَوْمِهِنَّ كَمَا نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ.

قَالُوا: وَإِذَا كَانَ يَفُوتُ صَوْمُهُنَّ بِمُضِيِّ يَوْمِ عَرَفَةَ لَمْ يَكُنْ إِلَى صِيَامِهِنَّ فِي الْحَجِّ سَبِيلٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ شَرَطَ صَوْمَهُنَّ فِي الْحَجِّ, فَلَمْ يُجْزِ عَنْهُ إِلَّا الْهَدْيَ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لِمُتْعَتِهِ. وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ: آخِرُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ انْقِضَاءُ آخِرِ أَيَّامِ مِنًى, أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, ثُمَّ الصِّيَامَ إِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَى الْهَدْيِ سَبِيلًا.

قَالُوا: وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَحْرُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ النَّحْرِ, وَلَوْ كَانَ لَهُ وَاجِدًا قَبْلَ ذَلِكَ. قَالُوا: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّمَا رَخَّصَ لَهُ فِي الصَّوْمِ يَوْمَ يَلْزَمُهُ نَحْرُ الْهَدْيِ فَلَا يَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالُوا: وَالْوَقْتُ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِيهِ نَحْرُ الْهَدْيِ يَوْمُ النَّحْرِ وَالْأَيَّامُ الَّتِي بَعْدَهُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ, فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يُمَكَّنْ نَحْرَهُ.

قَالُوا: فَإِذَا كَانَ النَّحْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَازِمًا قَبْلَ ذَلِكَ, وَإِنَّمَا لَزِمَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنَّمَا لَزِمَهُ الصَّوْمُ يَوْمَ النَّحْرِ, وَذَلِكَ حِينَ عَدِمَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَجِدْهُ, فَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ. قَالُوا: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ, فَالصَّوْمُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَوَّلُهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ, وَذَلِكَ أَنَّ النَّحْرَ إِنَّمَا كَانَ لَزِمَهُ مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ, وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِذَا لَمْ يَجِدْهُ يَكُونُ لَهُ الصَّوْمُ. قَالُوا: وَإِذَا طَلَعَ فَجْرُ يَوْمٍ وَلَمْ يَلْزَمْهُ صَوْمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الصَّوْمُ لَا يَكُونُ فِي بَعْضِ نَهَارِ يَوْمٍ فِي وَاجِبٍ, عَلِمَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ إِلَى انْقِضَاءِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالُوا: وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّ أَيَّامَ مِنًى لَيْسَتْ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ ; لِأَنَّهُنَّ يَنْسُكَ فِيهِنَّ بِالرَّمْيِ، وَالْعُكُوفِ عَلَى عَمَلِ الْحَجِّ كَمَا يَنْسُكُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِي الْأَيَّامِ قَبْلَهَا

قَالُوا: هَذَا مَعَ شَهَادَةِ الْخَبَرِ الَّذِي [روي] عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى فَاتَتْهُ أَيَّامُ الْعَشْرِ, أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَكَانَهَا» لِصِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ وَخَطَأِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت