فهرس الكتاب

الصفحة 4215 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197) }

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ.

(وَالْأَشْهُرُ) مَرْفُوعَاتٌ بِالْحَجِّ, وَإِنْ كَانَ لَهُ وَقْتًا لَا صِفَةً، وَنَعْتًا, إِذْ لَمْ تَكُنْ مَحْصُورَاتٍ بِتَعْرِيفٍ بِإِضَافَةٍ إِلَى مَعْرِفَةٍ، أَوْ مَعْهُودٍ, فَصَارَ الرَّفْعُ فِيهِنَّ كَالرَّفْعِ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحَلِّ: (الْمُسْلِمُونَ جَانِبٌ، وَالْكُفَّارُ جَانِبٌ) , بِرَفْعِ الْجَانِبِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا عَلَى حَدٍّ مَعْرُوفٍ, وَلَوْ قِيلَ: جَانِبَ أَرْضِهِمْ أَوْ بِلَادِهِمْ، لَكَانَ النَّصْبُ هُوَ الْكَلَامُ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِالْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ: شَوَّالًا, وَذَا الْقَعْدَةَ, وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَعْنِي بِذَلِكَ شَوَّالًا، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ كُلَّهُ.

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَمَلَ الْحَجِّ لَا يُعْمَلُ بَعْدَ تَقَضِّي أَيَّامِ مِنًى؟

قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي تَوَهَّمْتَهُ، وَإِنَّمَا عَنُوا بِقِيلِهِمُ الْحَجُّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَوَامِلُ، أَنَّهُنَّ الْحَجُّ لَا أَشْهُرُ الْعُمْرَةِ، وَأَنَّ شُهُورَ الْعُمْرَةِ سِوَاهُنَّ مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُمْ فِي قِيلَهُمْ ذَلِكَ [قَول] ابْنِ عُمَرَ: «أَنْ تَفْصِلُوا بَيْنَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَتَجْعَلُوا الْعُمْرَةَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ»

قَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ: «مَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ شَكَّ أَنَّ عَمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ»

وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ بِاسْتِيعَابِ ذِكْرِهِ الْكِتَابُ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قِيلَ مَنْ قَالَ: وَقْتُ الْحَجِّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَوَامِلُ، أَنَّهُنَّ مِنْ غَيْرِ شُهُورِ الْعُمْرَةِ، وَأَنَّهُنَّ شُهُورٌ لِعَمَلِ الْحَجِّ دُونَ عَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْحَجِّ إِنَّمَا يُعْمَلُ فِي بَعْضِهِنَّ لَا فِي جَمِيعِهِنَّ.

وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا قَصَدَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}

إِلَى تَعْرِيفِ خَلْقِهِ مِيقَاتَ حَجِّهِمْ، لَا الْخَبَرَ عَنْ وَقْتِ الْعُمْرَةِ. قَالُوا: فَأَمَّا الْعُمْرَةُ، فَإِنَّ السُّنَّةَ كُلَّهَا وَقْتٌ لَهَا، لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي بَعْضِ شُهُورِ الْحَجِّ، ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ خَبَرٌ. قَالُوا: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ عَمَلُ الْحَجِّ يَنْقَضِي وَقْتُهُ بِانْقِضَاءِ الْعَاشِرِ مِنْ أَيَّامِ ذِي الْحِجَّةِ، عَلِمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}

إِنَّمَا هُوَ"مِيقَاتُ الْحَجِّ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ."

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْحَجُّ شَهْرَانِ وَعَشْرٌ مِنَ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ خَبَرٌ عَنْ مِيقَاتِ الْحَجِّ، وَلَا عَمَلَ لِلْحَجِّ يُعْمَلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ مِنًى، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ جَمِيعَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًا بِهِ جَمِيعُهُ صَحَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ قِيلَ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}

وَهُوَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ؟

قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَمْتَنِعُ خَاصَّةً فِي الْأَوْقَاتِ مِنَ اسْتِعْمَالِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَتَقُولُ لَهُ: الْيَوْمُ يَوْمَانِ مُنْذُ لَمْ أَرَهُ.

وَإِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ يَوْمًا وَبَعْضَ آخَرَ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

وَإِنَّمَا يَتَعَجَّلُ فِي يَوْمٍ وَنِصْفٍ. وَقَدْ يَفْعَلُ الْفَاعِلُ مِنْهُمُ الْفِعْلَ فِي السَّاعَةِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ عَامًّا عَلَى السَّنَةِ وَالشَّهْرِ، فَيَقُولُ: زُرْتُهُ الْعَامَ وَأَتَيْتُهُ الْيَوْمَ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ فِعْلَهُ أَخَذَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ إِلَى آخِرِهِ، وَلَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ فَعَلَهُ إِذْ ذَاكَ وَفِي ذَلِكَ الْحِينِ، فَكَذَلِكَ الْحَجُّ أَشْهُرٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْحَجُّ شَهْرَانِ وَبَعْضُ آخَرَ. فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: مِيقَاتُ حَجِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، وَهُوَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت