فهرس الكتاب

الصفحة 3133 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(176)}

أَمَا قَوْلُهُ: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ}

فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِي الْمَعْنِيِّ بِـ «ذَلِكَ» ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى «ذَلِكَ» فِعْلُهُمْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُونَ مِنْ جَرَاءَتِهِمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ فِي مُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَكِتْمَانِهِمُ النَّاسَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَمْرِهِمْ بِبَيَانِهِ لَهُمْ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِ دِينِهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَزَّلَ

الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وَتَنْزِيلُهُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ هُوَ خَبَرُهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

فَهُمْ مَعَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لَا يَكُونُ مِنْهُمْ غَيْرُ اشْتِرَاءِ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَالْعَذَابِ بِالْمَغْفِرَةِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ، وَالْكِتَابُ حَقٌّ. كَأَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ كَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَيْهِ، مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ تَنْزِيلِهِ أَنَّ النَّارَ لِلْكَافِرِينَ، وَتَنْزِيلُهُ حَقٌّ، فَالْخَبَرُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُضْمَرٌ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ أَهْلَ النَّارِ فَقَالَ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}

ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْعَذَابُ بِكُفْرِهِمْ، وَ «هَذَا» هَاهُنَا عِنْدَهُمْ هِيَ الَّتِي يَجُوزُ مَكَانَهَا «ذَلِكَ» كَأَنَّهُ قَالَ: فَعَلْنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ، قَالَ: فَيَكُونُ «ذَلِكَ» إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ نَصْبًا وَيَكُونُ رَفْعًا بِالْبَاءِ

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ مَا حَوَاهُ قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ}

إِلَى قَوْلِهِ: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ}

مِنْ خَبَرِهِ عَنْ أَفْعَالِ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَذِكْرِهِ مَا أَعَدَّ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الْعِقَابِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ هَؤُلَاءِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ بِكِتْمَانِهِمُ النَّاسَ مَا كَتَمُوا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ طَلَبًا مِنْهُمْ لِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا خَسِيسٍ، وَبِخَلَافِهِمْ أَمْرِي وَطَاعَتِي وَذَلِكَ مِنْ تَرْكِي تَطْهِيرَهُمْ وَتَزْكِيَتَهُمْ وَتَكْلِيمَهُمْ، وَإِعْدَادِي لَهُمُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ بِأَنِّي أَنْزَلْتُ كِتَابِي بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. فَيَكُونُ فِي «ذَلِكَ» حِينَئِذٍ وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ: رَفْعٌ وَنَصْبٌ، وَالرَّفْعُ بِالْبَاءَ، وَالنُّصْبُ بِمَعْنَى: فَعَلْتُ ذَلِكَ بِأَنِّي أَنْزَلْتُ كِتَابِي بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَتَرَكَ ذِكْرَ: «فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا» اجْتِزَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}

يَعْنِي بِذَلِكَ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، اخْتَلَفُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَكَفَرَتِ الْيَهُودُ بِمَا قَصَّ اللَّهُ فِيهِ مِنْ قَصَصِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأُمِّهِ، وَصَدَّقَتِ النَّصَارَى بِبَعْضِ ذَلِكَ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وَكَفَرُوا جَمِيعًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا أَنْزَلْتُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ لَفِي مُنَازَعَةٍ وَمُفَارَقَةٍ لِلْحَقِّ بَعِيدَةٍ مِنَ الرُّشْدِ وَالصَّوَابِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت