فهرس الكتاب

الصفحة 1506 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) }

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَوَيْلٌ}

فَقَالَ بَعْضُهُمْ:" {فَوَيْلٌ لَهُمْ} "

يَقُولُ: فَالْعَذَابُ عَلَيْهِمْ""

وَقَالَ آخَرُونَ:"الْوَيْلُ: مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدٍ فِي أَصْلِ جَهَنَّمَ"

وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: «الْوَيْلُ جَبَلٌ فِي النَّارِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}

يَعْنِي بِذَلِكَ: الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتَابَ اللَّهِ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَتَبُوا كِتَابًا عَلَى مَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ تَأْوِيلَاتِهِمْ مُخَالِفًا لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَاعُوهُ مِنْ قَوْمٍ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهَا وَلَا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ جُهَّالٌ بِمَا فِي كُتُبِ اللَّهِ لِطَلَبِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا خَسِيسٍ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}

وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} "

"الْوَيْلُ: جَبَلٌ فِي النَّارِ"وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ فِي الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ، وَزَادُوا فِيهَا مَا يُحِبُّونَ، وَمَحَوْا مِنْهَا مَا يَكْرَهُونَ، وَمَحَوُا اسْمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَلِذَلِكَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَرَفَعَ بَعْضَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}

إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: مَا وَجْهُ {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} ؟ وَهَلْ تَكُونُ الْكِتَابَةُ بِغَيْرِ الْيَدِ حَتَّى احْتَاجَ الْمُخَاطَبُ بِهَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى أَنْ يُخْبِرُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قِصَّتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ؟

قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْكِتَابَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُضَافُ الْكِتَابُ إِلَى غَيْرِ كَاتِبِهِ وَغَيْرِ الْمُتَوَلِّي رَسْمَ خَطِّهِ، فَيُقَالُ: كَتَبَ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي كِتَابَتَهُ بِيَدِهِ غَيْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْكِتَابُ، إِذَا كَانَ الْكَاتِبُ كَتَبَهُ بِأَمْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْكِتَابُ. فَأَعْلَمَ رَبُّنَا بِقَوْلِهِ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}

عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ تَلِي كِتَابَةَ الْكَذِبِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ وَعَمْدٍ لِلْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ تَنْحَلُهُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَكَذُّبًا عَلَى اللَّهِ وَافْتِرَاءً عَلَيْهِ. فَنَفَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}

أَنْ يَكُونَ وَلِيَ كِتَابَةَ ذَلِكَ بَعْضُ جُهَّالِهِمْ بِأَمْرِ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ. وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: بَاعَنِي فُلَانٌ عَيْنَهُ كَذَا وَكَذَا، فَاشْتَرَى فُلَانٌ نَفْسَهُ كَذَا، يُرَادُ بِإِدْخَالِ النَّفْسِ وَالْعَيْنِ فِي ذَلِكَ نَفْيُ اللَّبْسِ عَنْ سَامِعِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي بَيْعَ ذَلِكَ وَشِرَاءَهُ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ بِهِ بِأَمْرِهِ، وَيُوجِبُ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ لِلْمُخْبِرِ عَنْهُ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}

أَيْ فَالْعَذَابُ فِي الْوَادِي السَّائِلِ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ فِي أَسْفَلِ جَهَنَّمَ لَهُمْ، يَعْنِي لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ الَّذِي وَصَفْنَا أَمْرَهُ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُحَرَّفًا، ثُمَّ قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ ابْتِغَاءَ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا بِهِ قَلِيلٍ مِمَّنْ يَبْتَاعَهُ مِنْهُمْ.

وَقَوْلُهُ: {مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}

يَقُولُ: مِنَ الَّذِي كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ {وَوَيْلٌ لَهُمْ}

أَيْضًا {مِمَّا يَكْسِبُونَ}

يَعْنِي مِمَّا يَعْمَلُونَ مِنَ الْخَطَايَا، وَيَجْتَرِحُونَ مِنَ الْآثَامِ، وَيَكْسِبُونَ مِنَ الْحَرَامِ بِكِتَابِهِمُ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، بِخِلَافِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ ثَمَنَهُ وَقَدْ بَاعُوهُ مِمَّنْ بَاعُوهُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت