اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {فَضَحِكَتْ}
وَفِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ ضَحِكَتْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ضَحِكَتِ الضَّحِكَ الْمَعْرُوفِ تَعَجُّبًا مِنْ أَنَّهَا وَزَوْجَهَا إِبْرَاهِيمَ يَخْدُمَانِ ضِيفَانَهُمْ بِأَنْفُسِهِمَا تَكْرُمَةً لَهُمْ، وَهُمْ عَنْ طَعَامِهِمْ مُمْسِكُونَ لَا يَأْكُلُونَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ مِنْ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ فِي غَفْلَةٍ، وَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ اللَّهِ لِهَلَاكِهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ ظَنًّا مِنْهَا بِهِمْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ لَمَّا رَأَتْ بِزَوْجِهَا إِبْرَاهِيمَ مِنَ الرَّوْعِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ حِينَ بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ، تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ عَلَى كِبَرِ سِنِّهَا وَسِنِّ زَوْجِهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَضَحِكَتْ» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَحَاضَتْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْأَمْنِ مِنْهُمْ لَمَّا قَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ: لَا تَخَفْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ خَافَهُمْ وَخَافَتْهُمْ أَيْضًا كَمَا خَافَهُمْ إِبْرَاهِيمُ؛ فَلَمَّا أَمِنَتْ ضَحِكَتْ، فَأَتْبَعُوهَا الْبِشَارَةَ بِإِسْحَاقَ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَضَحِكَتْ» : فَعَجِبَتْ مِنْ غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ عَمَّا قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَغَفْلَتِهِمْ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ ذُكِرَ عَقِيبُ قَوْلِهِمْ لِإِبْرَاهِيمَ: لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ لَا وَجْهَ لِلْضَحِكِ، وَالتَّعَجُّبِ مِنْ قَوْلِهِمْ لِإِبْرَاهِيمَ: لَا تَخَفْ، كَانَ الضَّحِكُ وَالتَّعَجُّبِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَمْرِ قَوْمِ لُوطٍ.