يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ نَفْسَهُ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَابْتَاعَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَى بَاعَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}
فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الشَّارِيَ يَشْرِي إِذَا اشْتَرَى طَلَبَ مَرْضَاةِ اللَّهِ. وَنَصَبَ «ابْتِغَاءَ» بِقَوْلِهِ «يَشْرِي» ، فَكَأَنَّهُ قَالَ. «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي مِنْ أَجْلِ ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، ثُمَّ تَرَكَ» مِنْ أَجْلِ"وَعَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ."
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ نَصَبَ ذَلِكَ عَلَى الْفِعْلِ عَلَى يَشْرِي كَأَنَّهُ قَالَ: لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَلَمَّا نَزَعَ اللَّامَ عَمِلَ الْفِعْلُ. قَالَ: وَمِثْلُهُ: {حَذَرَ الْمَوْتِ}
وَقَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ حَاتِمٌ:
وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الْكَرِيمِ ادِّخَارَهُ ... وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا
وَقَالَ: لَمَّا أَذْهَبَ اللَّامَ أَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْلَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيُّمَا مَصْدَرٍ وُضِعَ مَوْضِعَ الشَّرْطِ وَمَوْضِعَ «أَنْ» فَتَحْسُنُ فِيهَا الْبَاءُ وَاللَّامُ، فَتَقُولُ: أَتَيْتُكَ مِنْ خَوْفِ الشَّرِّ، وَلِخَوْفِ الشَّرِّ، وَبِأَنْ خِفْتُ الشَّرَّ؛ فَالصِّفَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَحُذِفَتْ وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهَا. قَالَ: وَلَوْ كَانَتِ الصِّفَةُ حَرْفًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ حَذْفُهَا كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَالَ: فَعَلْتُ هَذَا لَكَ وَلِفُلَانٍ، أَنْ يُسْقِطَ اللَّامَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ وَمَنْ عَنَى بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَعُنِيَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِأَعْيَانِهِمْ
عَنْ عِكْرِمَةَ:" {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} "
قَالَ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ جُنْدُبِ بْنِ السَّكَنِ؛ أَخَذَ أَهْلُ أَبِي ذَرٍّ، أَبَا ذَرٍّ، فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ، فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَجَعَ مُهَاجِرًا عَرَضُوا لَهُ، وَكَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَانْفَلَتَ أَيْضًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَأَمَّا صُهَيْبٌ فَأَخَذَهُ أَهْلُهُ، فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَأَدْرَكَهُ مُنْقِذُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ جُدْعَانَ، فَخَرَّجَ لَهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ كُلَّ شارٍ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، أَوْ آمِرٍ بِمَعْرُوفٍ
عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ:"بَعَثَ عُمَرُ جَيْشًا فَحَاصَرُوا أَهْلَ حِصْنٍ، وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ، فَقَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ يَقُولُونَ: أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: كَذَبُوا، أَلَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} "