فهرس الكتاب

الصفحة 1592 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}

وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}

عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعِ (أَنْ) الْمَحْذُوفَةِ فِي {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، فَرَفَعَ {لَا تَعْبُدُونَ}

لَمَّا حَذَفَ أَنْ، ثُمَّ عَطَفَ بِالْوَالِدَيْنِ عَلَى مَوْضِعِهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الوافر]

مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا

فَنَصَبَ الْحَدِيدَ عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْجِبَالِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا بَاءٌ خَافِضَةٌ كَانَتْ نَصْبًا، فَعَطَفَ بِالْحَدِيدِ عَلَى مَعْنَى الْجِبَالِ لَا عَلَى لَفْظِهَا، فَكَذَلِكَ مَا وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ، وَأَمَّا الْإِحْسَانُ فَمَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ}

؛ إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ لَوْ أَظْهَرَ الْمَحْذُوفَ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَبِأَنْ تُحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. فَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ}

مِنْ أَنْ يُقَالَ: وَبِأَنْ تُحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ.

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَبِالْوَالِدَيْنِ فَأَحْسِنُوا إِحْسَانًا؛ فَجَعَلَ الْبَاءَ الَّتِي فِي الْوَالِدَيْنِ مِنْ صِلَةِ الْإِحْسَانِ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَأَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. فَزَعَمُوا أَنَّ الْبَاءَ الَّتِي فِي الْوَالِدَيْنِ مِنْ صِلَةِ الْمَحْذُوفِ، أَعْنِي أَحْسِنُوا، فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ كَلَامَيْنِ.

وَإِنَّمَا يُصْرَفُ الْكَلَامُ إِلَى مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لِاتِّسَاقِ الْكَلَامِ عَلَى كَلَامٍ وَاحِدٍ وَجْهٌ، فَأَمَّا وَلِلْكَلَامِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ عَلَى اتِّسَاقِهِ عَلَى كَلَامٍ وَاحِدٍ فَلَا وَجْهَ لِصَرْفِهِ إِلَى كَلَامَيْنِ. وَأُخْرَى: أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالُوا لَقِيلَ: وَإِلَى الْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: أَحْسَنَ فُلَانٌ إِلَى وَالِدَيْهِ، وَلَا يُقَالُ:

أَحْسَنَ بِوَالِدَيْهِ، إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ لِلْكَلَامِ. وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ مَا قُلْنَا، وَهُوَ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِكَذَا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْلُ. فَيَكُونُ الْإِحْسَانُ حِينَئِذٍ مَصْدَرًا مِنَ الْكَلَامِ لَا مِنْ لَفْظِهِ كَمَا بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِهِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا ذَلِكَ الْإِحْسَانُ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ وَبِالْوَالِدَيْنِ الْمِيثَاقَ؟

قِيلَ: نَظِيرُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِنَا لَهُمَا مِنْ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ لَهُمَا وَالْقَوْلِ الْجَمِيلِ، وَخَفْضِ جَنَاحِ الذُّلِّ رَحْمَةً بِهِمَا وَالتَّحَنُّنِ عَلَيْهِمَا، وَالرَّأْفَةِ بِهِمَا وَالدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ لَهُمَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَفْعَلُوا بِهِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت