قِيلَ: إِنَّ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ فِي بَعْضِ مَا يَتْلُوهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَمْ يُنْزِلْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَاغْتَمَّ بِهِ، فَسَلَّاهُ اللَّهُ مِمَّا بِهِ مِنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ [1] .
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَا:"جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَادٍ مِنْ أَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٍ أَهْلُهُ، فَتَمَنَّى يَوْمَئِذٍ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ فَينَفِرُوا عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} "
, فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى}
أَلْقَى عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ كَلِمَتَيْنِ: «تِلْكَ الْغَرَانِقَةُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْجَى» ، فَتَكَلَّمَ بِهَا. ثُمَّ مَضَى فَقَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا. فَسَجَدَ فِي آخِرِ السُّورَةِ، وَسَجَدَ الْقَوْمُ جَمِيعًا مَعَهُ، وَرَفَعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تُرَابًا إِلَى جَبْهَتِهِ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ. فَرَضُوا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ, وَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ, وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَلَكِنَّ آلِهَتَنَا هَذِهِ تَشَفْعُ لَنَا عِنْدَهُ، إِذْ جَعَلْتَ لَهَا نَصِيبًا، فَنَحْنُ مَعَكَ قَالَا: فَلَمَّا أَمْسَى أَتَاهُ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ, فَعَرَضَ عَلَيْهِ السُّورَةَ؛ فَلَمَّا بَلَغَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ قَالَ: مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ:"فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} . إِلَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} . فَمَا زَالَ مَغْمُومًا مَهْمُومًا حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ."
قَالَ: فَسَمِعَ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ وَقَالُوا: هُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا فَوَجَدُوا الْقَوْمَ قَدِ ارْتَكَسُوا حِينَ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ""
ثم قال:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ}
يَقُولُ: «إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ»
وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ، بِدَلَالَةِ قَوْلُهُ: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ}
عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يُحْكِمُهَا، لَا شَكَّ أَنَّهَا آيَاتُ تَنْزِيلِهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِيَ أَلْقَى فِيهِ الشَّيْطَانُ هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ نَسَخَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَبْطَلَهُ ثُمَّ أَحْكَمَهُ بِنَسْخِهِ ذَلِكَ مِنْهُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَلَا كِتَابَ اللَّهِ، وَقَرَأَ، أَوْ حَدَّثَ وَتَكَلَّمَ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي تَلَاهُ وَقَرَأَهُ أَوْ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي حَدَّثَ وَتَكَلَّمَ. انتهى كلامه.
وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) }