فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 6201

عَلَى أَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ، إِنَّمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ اسْتِنْكَارًا مِنْهُمْ أَنْ يُغَاضِبَ نَبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ رَبَّهُ, وَاسْتِعْظَامًا لَهُ. وَهُمْ بِقِيلِهِمْ أَنَّهُ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ قَدْ دَخَلُوا فِي أَمْرٍ أَعْظَمَ مِمَّا أَنْكَرُوا، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ ذَهَابِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ كَرَاهَةَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قَوْمٍ قَدْ جَرَّبُوا عَلَيْهِ الْخُلْفَ فِيمَا وَعَدَهُمْ، وَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمِ السَّبَبَ الَّذِي دُفِعَ بِهِ عَنْهُمُ الْبَلَاءُ.

وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ: كَانَ مِنْ أَخْلَاقِ قَوْمِهِ الَّذِينَ فَارَقَهُمْ قَتْلُ مَنْ جَرَّبُوا عَلَيْهِ الْكَذِبَ، عَسَى أَنْ يَقْتُلُوهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَعَدَهُمُ الْعَذَابَ، فَلَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ يُونُسَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِنَّمَا غَاضَبَ رَبَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَصِيرِ إِلَى قَوْمٍ لِيُنْذِرَهُمْ بَأْسَهُ, وَيَدْعُوِهُمْ إِلَيْهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُنْظِرَهُ لِيَتَأَهَّبَ لِلشُّخُوصِ إِلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ, وَلَمْ يُنْظَرْ, حَتَّى شَاءَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ نَعْلًا لِيَلْبَسَهَا، فَقِيلَ لَهُ نَحْوُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَكَانَ رَجُلًا فِي خُلُقِهِ ضِيقٌ، فَقَالَ: أَعْجَلَنِي رَبِّي أَنْ آخُذَ نَعْلًا فَذَهَبَ مُغَاضِبًا.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ وَصْفِ نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ دُونَ مَا وَصَفَهُ بِمَا وَصَفَهُ الَّذِينَ قَالُوا: ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ, لِأَنَّ ذَهَابَهُ عَنْ قَوْمِهِ مُغَاضِبًا لَهُمْ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لِيُبَلِّغَهُمْ رِسَالَتَهُ, وَيُحَذِّرَهُمْ بَأْسَهُ وَعُقُوبَتَهُ عَلَى تَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ بِهِ, وَالْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ, لَا شَكَّ أَنَّ فِيهِ مَا فِيهِ.

وَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مَا قَالَهُ الَّذِينَ وَصَفُوهُ بِإِتْيَانِ الْخَطِيئَةِ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِيُعَاقِبَهُ الْعُقُوبَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ, وَيَصِفَهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ بِهَا، فَيَقُولَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ}

, وَيَقُولَ: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . انتهى كلامه.

أقول: لا يخفى ما فيه من فساد وتجنٍّ وافتراء على سيدنا يونس - عليه السلام -، وذلك لمكان العصمة.

وقد يكون لقوله [ذَهَبَ عَنْ قَوْمِهِ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ] وجه مقبول كما ذكر القرطبي في تفسيره. نقلا عن النحاس واستحسنه، قال: وربما أنكر هَذَا مَنْ لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ.

وَالْمَعْنَى: مُغَاضِبًا مِنْ أَجْلِ رَبِّهِ، كَمَا تَقُولُ: غَضِبْتُ لَكَ أَيْ مِنْ أَجْلِكَ.

وَالْمُؤْمِنُ يَغْضَبُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا عُصِيَ.

وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ: (اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) مِنْ هَذَا.

وَبَالَغَ الْقُتَبِيُّ فِي نُصْرَةِ هَذَا الْقَوْلِ.

قال القرطبي: وقول النَّحَّاسِ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ.

أَيْ خَرَجَ مُغَاضِبًا مِنْ أَجْلِ رَبِّهِ، أَيْ غَضِبَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ أَجْلِ كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِ. اهـ (تفسير القرطبي. 11/ 329) باختصار.

أقول: وهذا هو المعهود من أنبياء الله - عليهم السلام - وصفوته من خلقه، ومن فضائل يونس - عليه السلام - أن الله مَنَّ عليه بإيمان قومه أجمعين قال تعالى في سورة الصافات: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148) } .

وكلام الطبري - كما ترى - لا يتفق مع قول النَّحَّاسِ. وقد تم الرد على ذلك مفصلا في موضعه. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت