فهرس الكتاب

الصفحة 2714 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) }

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَدْ نَرَى يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ.

وَيَعْنِي بِالتَّقَلُّبِ: التَّحَوُّلِ وَالتَّصَرُّفِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فِي السَّمَاءِ}

نَحْوَ السَّمَاءِ وَقِبَلِهَا.

وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْوِيلِ قِبْلَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمْرَهُ بِالتَّحْوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْوَى قِبْلَةَ الْكَعْبَةِ

قَالَ بَعْضُهُمْ: كَرِهَ قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا. يَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا وَيُخَالِفُنَا فِي دِينِنَا.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ يَهْوَى ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ قِبْلَةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

فَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}

فَإِنَّهُ يَعْنِي: فَلَنَصْرِفَنَّكَ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى قِبْلَةٍ تَرْضَاهَا تَهْوَاهَا وَتُحِبُّهَا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ}

يَعْنِي اصْرِفْ وَجْهَكَ وَحَوِّلْهُ

وَقَوْلُهُ: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}

يَعْنِي بِالشَّطْرِ: النَّحْوَ وَالْقَصْدَ وَالتَّلْقَاءَ، كَمَا قَالَ الْهُذَلِيُّ:

[البحر البسيط]

إِنَّ الْعَسِيرَ بِهَا دَاءٌ مُخَامِرُهَا ... فَشَطْرَهَا نَظَرُ الْعَيْنَيْنِ مَحْسُورُ

يَعْنِي بِقَوْلِهِ شَطْرَهَا: نَحْوَهَا. وَكَمَا قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ:

[البحر البسيط]

تَعْدُو بِنَا شَطْرَ جَمْعٍ وَهْيَ عَاقِدَةٌ ... قَدْ كَارَبَ الْعَقْدُ مِنْ إِيفَادِهَا الْحَقَبَا

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْقِبْلَةُ الَّتِي حُوِّلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنَاهَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}

حِيَالَ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الْبَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةَ، وَقِبْلَةُ الْبَيْتِ الْبَابُ.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}

فَالْمُوَلِّي وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُوَ الْمُصِيبُ الْقِبْلَةَ.

وَإِنَّمَا عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ النِّيَّةُ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ إِلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ، كَمَا أَنَّ عَلَى مَنِ ائْتَمَّ بِإِمَامٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَاذِيًا بَدَنُهُ بَدَنُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِ الصَّفِّ وَالْإِمَامُ فِي طَرَفٍ آخَرَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَنْ خَلْفَهُ مُؤْتَمًّا بِهِ مُصَلِّيًا إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُصَلِّي إِلَيْهِ الْإِمَامُ. فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُحَاذِيهَا كُلُّ مُصَلٍّ وَمُتَوَجِّهٌ إِلَيْهَا بِبَدَنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهَا أَوْ عَنْ يَسَارِهَا مُقَابِلَهَا فَهُوَ مُسْتَقْبِلُهَا بَعْدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، أَوْ قَرُبَ مِنْ عَنِ يَمِينِهَا أَوْ عَنْ يَسَارِهَا بَعْدَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَدْبِرِهَا، وَلَا مُنْحَرِفٍ عَنْهَا بِبَدَنِهِ وَوَجْهِهِ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقِبْلَةُ الْبَيْتِ: بَابُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت