فهرس الكتاب

الصفحة 4311 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَجَادِلَ الْمُحْرِمُ أَحَدًا.

ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَهَى عَنْ أَنَ يُجَادِلَ صَاحِبَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: الْجِدَالُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَاهُ: السِّبَابُ

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ خَاصًّا مِنَ الْجِدَالِ، وَالْمِرَاءِ، وَإِنَّمَا عَنَى الِاخْتِلَافَ فِيمَنْ هُوَ أَتَمَّ حَجًّا مِنَ الْحُجَّاجِ.

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ كَانَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ الْحَجُّ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ اخْتِلَافُهُمْ ذَلِكَ فِي أَمْرِ مَوَاقِفِ الْحَجِّ أَيُّهُمُ الْمُصِيبُ مَوْقِفَ إِبْرَاهِيمَ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ اسْتِقَامَةِ وَقْتِ الْحَجِّ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ لَا يَتَقَدَّمُهُ، وَلَا يَتَأَخَّرُهُ، وَبِطُولِ فِعْلِ النَّسِيءِ.

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: قَدْ بَطَلَ الْجِدَالُ فِي الْحَجِّ وَوَقْتِهِ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ، وَوَقْتُهُ عَلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَمَنَاسِكَ مُتَّفِقَةٌ غَيْرٌ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا تَنَازُعَ فِيهِ، وَلَا مِرَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، ثُمَّ نَفَى عَنْ وَقْتِهِ الِاخْتِلَافَ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ فِي شِرْكِهَا تَخْتَلِفُ فِيهِ.

وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ فِي ذَلِكَ وَرَأَيْنَاهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّا خَالَفَهُ لِمَا قَدْ قَدَّمْنَا مِنَ الْبَيَانِ آنِفًا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَلَا فُسُوقَ}

أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَصَّ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ إِلَّا مَا هُوَ مُطْلَقٌ مُبَاحٌ فِي الْحَالِ الَّتِي يُخَالِفُهَا، وَهِيَ حَالُ الْإِحْلَالِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ مَا خُصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ حَالِ الْإِحْرَامِ إِنْ كَانَ سَوَاءً فِيهِ حَالُ الْإِحْرَامِ وَحَالُ الْإِحْلَالِ، فَلَا وَجْهَ لِخُصُوصِهِ بِهِ حَالًا دُونَ حَالٍ، وَقَدْ عَمَّ بِهِ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ.

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

أَنَّ تَأْوِيلَهُ: لَا تُمَارِ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ، إِلَّا أَحَدُ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ لَا تُمَارَهِ بِبَاطِلٍ حَتَّى تُغْضِبَهُ. فَذَلِكَ مَا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ نَهَى عَنِ الْمِرَاءِ بِالْبَاطِلِ فِي كُلَّ حَالً مُحْرِمًا كَانَ الْمُمَارِي أَوْ مُحِلًّا، فَلَا وَجْهَ لِخُصُوصِ حَالِ الْإِحْرَامِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ لِاسْتِوَاءِ حَالِ الْإِحْرَامِ وَالْإِحْلَالِ فِي نَهْيِ اللَّهِ عَنْهُ. أَوْ يَكُونُ أَرَادَ: لَا تُمَارِهِ بِالْحَقِّ، وَذَلِكَ أَيْضًا مَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ رَأَى رَجُلًا يَرُومُ فَاحِشَةً كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِرَاءَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْهَا، أَوْ رَآهُ يُحَاوِلُ ظُلْمَهُ وَالذَّهَابَ مِنْهُ بِحَقٍّ لَهُ قَدْ غَصَبَهُ عَلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ مِرَاؤُهُ فِيهِ وَجِدَالُهُ حَتَّى يَتَخَلَّصَهُ مِنْهُ.

وَالْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ لَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا مِنْ قِبَلِ ظُلْمٍ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ حَقٍّ، فَإِذَا كَانَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ فِعْلُهُ بِحَالٍ، وَمَنِ الْوَجْهِ الْآخَرِ غَيْرُ جَائِزٍ تَرْكُهُ بِحَالٍ، فَأَيُّ وُجُوهِهِ الَّتِي خَصَّ بِالنَّهْيِ عَنْهُ حَالَ الْإِحْرَامِ؟ وَكَذَلِكَ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مِنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى السِّبَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ نَهَى الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ عَنْ سِبَابِ بَعْضٍ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كُلِّ حَالٍ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمٌ عَنْ سَبِّ الْمُسْلِمِ مَنْهِيًّا فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ، مُحْرِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَلَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ: لَا تَسُبَّهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِذَا أَحْرَمْتَ.

وَفِيمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»

دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

بِمَعْنَى النَّفْيِ عَنِ الْحَجِّ بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِهِ جِدَالٌ، وَمِرَاءٌ دُونَ النَّهْيِ عَنْ جِدَالِ النَّاسِ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَعْنِيهِمْ مِنَ الْأُمُورِ، أَوْ لَا يَعْنِيهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقِ اسْتَحَقَّ مِنَ اللَّهِ الْكَرَامَةَ مَا وَصَفَ أَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِحَجَّةٍ تَارِكًا لِلَّرَفَثِ، وَالْفُسُوقِ اللَّذَيْنِ نَهَى اللَّهُ الْحَاجَّ عَنْهُمَا فِي حَجِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِمَا الْجِدَالَ. فَلَوْ كَانَ الْجِدَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

مِمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى نَحْوِ الَّذِي تَأَوَّلَ ذَلِكَ مَنْ تَأَوَّلَهُ مِنْ أَنَّهُ الْمِرَاءُ، وَالْخُصُومَاتُ، أَوِ السِّبَابُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَمَا كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخُصَّ بِاسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَةِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ يَسَتَحِقَّهَا الْحَاجُّ الَّذِي وَصَفَ أَمْرَهُ بِاجْتِنَابِ خُلَّتَيْنِ مِمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَجِّهِ دُونَ الثَّالِثَةِ الَّتِي هِيَ مَقْرُونَةٌ بِهِمَا. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْنَى الثَّالِثَةِ مُخَالِفًا مَعْنَى صَاحِبَتَيْهَا فِي أَنَّهَا خَبَرٌ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا، وَأَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ بِمَعْنَى النَّهْيِ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُجْتَنِبَهُمَا فِي حَجِّهِ مُسْتَوْجِبٌ مَا وَصَفَ مِنْ إِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ مِمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ مُكْرِمُهُ بِهِ إِذَا كَانَتَا بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَكَانَ الْمُنْتَهِي عَنْهُمَا لِلَّهِ مُطِيعًا بِانْتِهَائِهِ عَنْهُمَا، تَرْكُ ذِكْرِ الثَّالِثَةِ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَاهُمَا، وَكَانَتْ مُخَالَفَةُ سَبِيلِهَا سَبِيلَهُمَا. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْمُخَالِفَةِ بَيْنَ إِعْرَابِ الْجِدَالِ وَإِعْرَابِ الرَّفَثِ، وَالْفُسُوقِ، لِيَعْلَمَ سَامِعُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ بِاللُّغَاتِ أَنَّ الَّذِيَ مِنْ أَجْلِهِ خُولِفَ بَيْنَ إِعْرَابَيْهِمَا اخْتِلَافُ مَعْنَيَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا قِرَاءَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ إِعْرَابِهِ عَلَى اخْتِلَافِ مَعَانِيهِ، إِذْ كَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تُتْبِعُ بَعْضَ الْكَلَامِ بَعْضًا بِإِعْرَابٍ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي، وَخَاصَّةً فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكَلَامِ. فَأَعْجَبُ الْقِرَاءَاتِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ (فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) بِرَفْعِ الرَّفَثِ، وَالْفُسُوقِ، وَتَنْوِينِهِمَا، وَفَتْحِ الْجِدَالِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَذَلِكَ هُوَ قِرَاءَةُ جَمَاعَةِ الْبَصْرِيِّينَ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ.

وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنِ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي أَتَمِّهِمْ حَجًّا، وَالْقَائِلِينَ مَعْنَاهُ: النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: غَدًا الْحَجُّ، مُخَالِفًا بِهِ قَوْلَ الْآخَرِ: الْيَوْمَ الْحَجُّ، فَقَوْلٌ فِي حِكَايَتِهِ الْكِفَايَةُ عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى وَهَائِهِ وَضَعْفِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا تُدْرِكُ صِحَّتَهُ إِلَّا بِخَبَرٍ مُسْتَفِيضٍ وَخَبَرٍ صَادِقٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. أَوْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ فِي بَعْضِ مَعَانِي الْجِدَالِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا.

وَأَمَّا دَلَالَتُنَا عَلَى قَوْلِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ نَفْيٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ شُهُورِ الْحَجِّ، فْالِاخْتِلَافُ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَخْتَلِفُ فِيهَا بَيْنَهَا قَبْلُ كَمَا وَصَفْنَا.

وَأَمَّا دَلَالَتُنَا عَلَى أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَالْخَبَرُ الْمُسْتَفِيضُ فِي أَهْلِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ دَلَالَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَقَدَّسَ اسْمُهُ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت