فهرس الكتاب

الصفحة 1595 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَذِي الْقُرْبَى}

وَبِذِي الْقُرْبَى أَنْ يَصِلُوا قَرَابَتَهُ مِنْهُمْ وَرَحِمَهُ وَالْقُرْبَى مَصْدَرٌ عَلَى تَقْدِيرِ فُعْلَى مِنْ قَوْلِكَ: قَرُبَتْ مِنِّي رَحِمُ فُلَانٍ قَرَابَةً وَقُرْبَى وَقُرْبًا بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَأَمَّا الْيَتَامَى فَهُمْ جَمْعُ يَتِيمٍ، مِثْلُ أَسِيرٍ وَأُسَارَى؛ وَيَدْخُلُ فِي الْيَتَامَى الذُّكُورُ مِنْهُمْ وَالْإِنَاثُ وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى، أَنْ تَصِلُوا رَحِمَهُ، وَتَعْرِفُوا حَقَّهُ، وَبِالْيَتَامَى: أَنْ تَتَعَطَّفُوا عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَبِالْمَسَاكِينِ: أَنْ تُؤْتُوهُمْ حُقُوقَهُمُ الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّهُ أَمْوَالَكُمْ. وَالْمِسْكِينُ: هُوَ الْمُتَخَشِّعُ الْمُتَذَلِّلُ مِنَ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ، وَهُوَ مِفْعِيلٌ مِنَ الْمَسْكَنَةِ، وَالْمَسْكَنَةُ هِيَ ذُلُّ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}

إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قِيلَ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}

فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ أَمْرًا وَلَمَّا يَتَقَدَّمْهُ أَمْرٌ، بَلِ الْكَلَامُ جَارٍ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ مَجْرَى الْخَبَرِ؟

قِيلَ: إِنَّ الْكَلَامَ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَرَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ مَجْرَى الْخَبَرِ فَإِنَّهُ مِمَّا يَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهِ الْخِطَابُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَلَوْ كَانَ مَكَانَ: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ}

لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ كَانَ حَسَنًا صَوَابًا؛

وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ وَجَازَ لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا بِهِ لِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ قَوْلٌ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا كَذَلِكَ: وَإِذْ قُلْنَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}

فَلَمَّا كَانَ حَسَنًا وَضْعُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي مَوْضِعِ: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ}

عَطَفَ بِقَوْلِهِ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}

عَلَى مَوْضِعِ {لَا تَعْبُدُونَ}

وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَاهُ مَعْنَى مَا فِيهِ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَازِ وَضْعِ الْخِطَابِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَوْضِعَ

لَا تَعْبُدُونَ؛ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا. وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ تَبْتَدِئُ الْكَلَامَ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ فِي مَوْضِعِ الْحِكَايَاتِ لِمَا أَخْبَرَتُ عَنْهُ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ، وَتَبْتَدِئُ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْإِخْبَارِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ لِمَا فِي الْحِكَايَةِ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الطويل]

أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةً ... لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ

يَعْنِي تَقَلَيْتِ، وَأَمَّا الْحُسْنُ فَإِنَّ الْقَرَأَةَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ غَيْرَ عَاصِمٍ: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ.

وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: {حُسْنًا}

بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَسْكِينِ السِّينِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى) عَلَى مِثَالِ فُعْلَى.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي فَرْقِ مَا بَيْنَ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَسَنًا، وَحُسْنًا. فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ يُرَادُ بِالْحَسَنِ الْحُسْنَ، وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ، كَمَا يُقَالُ: الْبَخَلُ وَالْبُخْلُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الْحُسْنَ هُوَ الْحَسَنَ فِي التَّشْبِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُسْنَ مَصْدَرٌ،

وَالْحَسَنُ هُوَ الشَّيْءُ الْحَسَنُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ كَقَوْلِكَ: إِنَّمَا أَنْتَ أَكْلٌ وَشُرْبٌ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الوافر]

وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ فَجَعَلَ التَّحِيَّةَ ضَرْبًا.

وَقَالَ آخَرُ: بَلْ الْحُسْنُ هُوَ الِاسْمُ الْعَامُّ الْجَامِعُ جَمِيعَ مَعَانِي الْحُسْنِ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَعْضُ مِنْ مَعَانِي الْحُسْنِ، قَالَ: وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِذْ أَوْصَى بِالْوَالِدَيْنِ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا}

يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ وَصَّاهُ فِيهِمَا بِجَمِيعِ مَعَانِي الْحُسْنِ، وَأَمَرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ بِبَعْضِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فِي وَالِدَيْهِ فَقَالَ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}

يَعْنِي بِذَلِكَ بَعْضَ مَعَانِي الْحُسْنِ.

وَالَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ فِي مَعْنَى الْحُسْنِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ، وَأَنَّهُ اسْمٌ لِنَوْعِهِ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ.

وَأَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّهُ صِفَةٌ وَقَعَتْ لِمَا وُصِفَ بِهِ، وَذَلِكَ يَقَعُ بِخَاصٍّ.

وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}

لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا أُمِرُوا فِي هَذَا الْعَهْدِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ: وَقُولُوا لِلنَّاسِ بِاسْتِعْمَالِ الْحَسَنِ مِنَ الْقَوْلِ دُونَ سَائِرِ مَعَانِي الْحُسْنِ، الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ الْقَوْلِ، وَذَلِكَ نَعْتٌ لِخَاصٍّ مِنْ مَعَانِي الْحُسْنِ وَهُوَ الْقَوْلُ. فَلِذَلِكَ اخْتَرْتُ قِرَاءَتَهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ، عَلَى قِرَاءَتِهِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت