إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: مَا الَّذِي نَصَبَ {خَالِدِينَ فِيهَا}
قِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ}
أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ خَالِدِينَ فِيهَا. وَلِذَلِكَ قَرَأَ ذَلِكَ: «أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعُونَ» مَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ تَوْجِيهًا مِنْهُ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَغَيْرُ جَائِزَةٍ الْقِرَاءَةُ بِهِ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِمَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْقِرَاءَةِ مُسْتَفِيضًا فِيهَا، فَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِالشَّاذِّ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ.
وَأَمَّا الْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ: {فِيهَا}
فَإِنَّهُمَا عَائِدَتَانِ عَلَى اللَّعْنَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ مَا صَارَ إِلَيْهِ الْكَافِرُ بِاللَّعْنَةِ مِنَ اللَّهِ وَمِنَ مَلَائِكَتِهِ وَمِنَ النَّاسِ وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ بِهَا نَارَ جَهَنَّمَ.
وَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى اللَّعْنَةِ وَالْمُرَادُ بِهَا مَا صَارَ إِلَيْهِ الْكَافِرُ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ}
فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ دَوَامِ الْعَذَابِ أَبَدًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ وَلَا تَخْفِيفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا}
وَكَمَا قَالَ: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا}
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}
فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ بِمَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُونَ.