الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}
وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِيمَا لَدَيْهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِابْتِهَالِ وَتَمَسْكُنٍ، وَاجْعَلُوا أَعْمَالَكُمْ لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَلِطَلَبِ مَرْضَاتِهِ، وَقُولُوا رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؛ وَلَا تَكُونُوا كَمَنِ اشْتَرَى الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ لِلدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، فَلَا يَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ إِلَّا مَتَاعَهَا، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ، وَلَا نَصِيبِ لَهُمْ فِي جَنَّاتِهِ وَكَرِيمِ مَا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ، كَمَا قَالَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
قَالَ أَبو بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ:"كَانُوا يَعْنِي أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ يَعْنِي بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا إِبِلًا، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا غَنَمًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} "
وعَنْ أَنَسٍ:"كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً فَيَدْعُونَ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْمَطَرَ، وَأَعْطِنَا عَلَى عَدُوِّنَا الظَّفَرَ، وَرُدَّنَا صَالِحَيْنِ إِلَى صَالِحَيْنِ"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ.
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}
قَالَ كَانُوا أَصْنَافًا ثَلَاثَةً فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ يَوْمَئِذٍ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَهْلُ الْكُفْرِ، وَأَهْلُ النِّفَاقِ. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}
إِنَّمَا حَجُّوا لِلدُّنْيَا وَالْمَسْأَلَةِ لَا يُرِيدُونَ الْآخِرَةَ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ.
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}
الْآيَةَ.
قَالَ: وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . . الْآيَةَ.
وَأَمَّا مَعْنَى الْخَلَاقِ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَالصَّحِيحُ لَدَيْنَا مِنْ مَعْنَاهُ بِالشَّوَاهِدِ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَأَنَّهُ النَّصِيبُ، بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.