يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {أَفَتَطْمَعُونَ}
يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، أَيْ أَفَتَرْجُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُصَدِّقِينَ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَنْ يُؤْمِنَ لَكُمْ يَهُودُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}
أَنْ يُصَدِّقُوكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}
أَمَّا الْفَرِيقُ فَجَمْعٌ كَالطَّائِفَةِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ التَّفَرُّقِ سُمِّيَ بِهِ الْجِمَاعُ كَمَا سُمِّيَتِ الْجَمَاعَةُ بِالْحِزْبِ مِنَ التَّحَزُّبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر الطويل]
أَجَدُّوا فَلَمَّا خِفْتُ أَنْ يَتَفَرَّقُوا ... فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ مُصْعِدٌ وَمُصَوِّبُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنْهُمْ}
مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ مُوسَى وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}
لِأَنَّهُمْ كَانُوا آبَاءَهُمْ وَأَسْلَافَهُمْ، فَجَعَلَهُمْ مِنْهُمْ إِذْ كَانُوا عَشَائِرَهُمْ وَفَرَطَهُمْ وَأَسْلَافَهُمْ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ الْيَوْمَ الرَّجُلَ وَقَدْ مَضَى عَلَى مِنْهَاجِ الذَّاكِرِ وَطَرِيقَتِهِ وَكَانَ مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ، فَيَقُولُ: كَانَ مِنَّا فُلَانٌ؛ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِهِ أَوْ مُذْهَبِهِ أَوْ مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}