فهرس الكتاب

الصفحة 2762 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(147)}

يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْحَقَّ مَا أَعْلَمَكَ رَبُّكَ وَأَتَاكَ مِنْ عِنْدِهِ، لَا مَا يَقُولُ لَكَ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى. وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَبَرٌ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنِّ الْقِبْلَةَ الَّتِي وَجَّهَهُ نَحْوَهَا هِيَ الْقِبْلَةُ الْحَقُّ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْ بَعْدَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ: فَاعْمَلْ بِالْحَقِّ الَّذِي أَتَاكَ مِنْ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}

أَيْ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِّينَ فِي أَنَّ الْقِبْلَةَ الَّتِي وَجَّهْتُكَ نَحْوَهَا قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَهُ

وَالْمُمْتَرِي: مُفْتَعِلُ مِنَ الْمَرَيَّةِ، وَالْمَرِيَّةُ: هِيَ الشَّكُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:

[البحر المتقارب]

تَدُرُّ عَلَى أَسْؤُقِ الْمُمْتَرِينَ ... رَكْضًا إِذَا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنَّ

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاكًّا فِي أَنَّ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِ، أَوْ فِي أَنَّ الْقِبْلَةَ الَّتِي وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَيْهَا حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ حَتَّى نُهِيَ عَنِ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}

قِيلَ: ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي تُخْرِجُهُ الْعَرَبُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ لِلْمُخَاطَبِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}

ثُمَّ قَالَ: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}

فَخَرَجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّهْيِ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَصْحَابُهُ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ.

وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت