الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا انْظُرْنَا}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَقُولُوا انْظُرْنَا}
وَقُولُوا يَاأَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْتَظِرْنَا وَارْقُبْنَا نَفْهَمْ وَنَتَبَيَّنْ مَا تَقُولُ لَنَا وَتُعَلِّمُنَا
يُقَالَ مِنْهُ: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أَنْظُرُهُ نَظْرَةً بِمَعْنَى انْتَظَرْتُهُ وَرَقَبْتُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ:
[البحر البسيط]
وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعْشَاءَ صَادِرَةٍ ... لِلْخِمْسِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ}
يَعْنِي بِهِ انْتَظِرُونَا.
وَقَدْ قُرِئَ (أَنْظِرْنَا) بِقَطْعِ الْأَلِفِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا، فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ أَخِّرْنَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}
أَيْ: أَخِّرْنِي. وَلَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أُمِرُوا بِالدُّنُوِّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُ وَإِلْطَافِ الْخِطَابِ لَهُ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، لَا بِالتَّأَخُّرِ عَنْهُ وَلَا بِمَسْأَلَتِهِ تَأْخِيرَهُمْ عَنْهُ. فَالصَّوَابُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنَ الْقِرَاءَةِ قِرَاءَةُ مَنْ وَصَلَ الْأَلِفَ مِنْ قَوْلِهِ: {انْظُرْنَا}
وَلَمْ يَقْطَعْهَا بِمَعْنَى انْتَظِرْنَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى (أَنْظِرْنَا) بِقَطْعِ الْأَلِفِ بِمَعْنَى أَمْهِلْنَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: أَنْظِرْنِي أُكَلِّمْكَ؛ وَذَكَرَ سَامِعَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ اسْتَثْبَتَهُ فِي مَعْنَاهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْهَلَنِي. فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا عَنْهُمْ فَانْظُرْ وَأَنْظِرْنَا بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَوَصْلِهَا مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى. غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {وَقُولُوا انْظُرْنَا}
بِوَصْلِ الْأَلِفِ بِمَعْنَى انْتَظِرْنَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى تَصْوِيبِهَا وَرَفْضِهِمْ غَيْرَهَا مِنَ الْقِرَاءَاتِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَاسْمَعُوا}
وَاسْمَعُوا مَا يُقَالُ لَكُمْ وَيُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ رَبِّكُمْ وَعُوهُ وَافْهَمُوهُ
فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا لِنَبِيِّكُمْ رَاعِنَا سَمْعَكَ وَفَرِّغْهُ لَنَا نَفْهَمْكَ وَتَفْهَمْ عَنَّا مَا نَقُولُ، وَلَكِنْ قُولُوا انْتَظِرْنَا وَتَرَقَّبْنَا حَتَّى نَفْهَمَ عَنْكَ مَا تُعَلِّمُنَا وَتُبَيِّنُهُ لَنَا، وَاسْمَعُوا مِنْهُ مَا يَقُولُ لَكُمْ فَعُوهُ وَاحْفَظُوهُ وَافْهَمُوهُ. ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لِمَنْ جَحَدَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ آيَاتِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَكَذَّبَ رَسُولَهُ الْعَذَابَ الْمُوجِعَ فِي الْآخِرَةِ، فَقَالَ: وَلِلْكَافِرِينَ بِي وَبِرَسُولِي عَذَابٌ أَلِيمٌ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ الْأَلِيمُ: الْمُوجِعُ.