الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ}
فَمَنْ أَتَاهُ عَائِدًا إِلَيْهِ بَعْدَ بَدْءٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَكْثَرَ الِاخْتِلَافَ إِلَى شَيْءٍ فَهُوَ حَاجٌّ إِلَيْهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
وَأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ بَيْتَ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ يَحُجُّونَ: يُكْثِرُونَ التَّرَدُّدَ إِلَيْهِ لِسُؤْدِدِهِ وَرِيَاسَتِهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْحَاجِّ حَاجٌّ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي الْبَيْتَ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافِ يَوْمِ النَّحْرِ
بَعْدِ التَّعْرِيفِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ إِلَى مِنًى، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافٍ الصَّدْرِ، فَلِتِكْرَارِهِ الْعُودَ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى قِيلَ لَهُ حَاجٌّ.
وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مُعْتَمِرٌ لِأَنَّهُ إِذَا طَافَ بِهِ انْصَرَفَ عَنْهُ بَعْدَ زِيَارَتِهِ إِيَّاهُ.
وَإِنَّمَا يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أَوِ اعْتَمَرَ}
أَوِ اعْتَمَرَ الْبَيْتَ، وَيَعْنِي بِالِاعْتِمَارِ الزِّيَارَةَ، فَكُلُّ قَاصِدٍ لِشَيْءٍ فَهُوَ لَهُ مُعْتَمِرٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرَ ... مَغْزًى بَعِيدًا مِنْ بَعِيدٍ وَضَبَرْ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ «حِينَ اعْتَمَرَ» : حِينَ قَصَدَهُ وَأَمَّهُ