فهرس الكتاب

الصفحة 1401 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)}

يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَقُلْنَا}

لِقَوْمِ مُوسَى الَّذِينَ ادَّارَءُوا فِي الْقَتِيلِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُنَا أَمْرَهُ: اضْرِبُوا الْقَتِيلَ. وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {اضْرِبُوهُ}

مِنْ ذِكْرِ الْقَتِيلِ {بِبَعْضِهَا}

أَيْ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِهَا فَذَبَحُوهَا.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ وَأَيَّ عُضْوٍ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ضُرِبَ بِفَخِذِ الْبَقَرَةِ الْقَتِيلُ

وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي ضُرِبَ بِهِ مِنْهَا هُوَ الْبَضْعَةُ الَّتِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ

وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ بِهِ مِنْهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهَا

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"ضَرَبُوا الْمَيِّتَ بِبَعْضِ آرَابِهَا، فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ، قَالُوا: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: ابْنُ أَخِي قَالَ: وَكَانَ قَتَلَهُ وَطَرَحَهُ عَلَى ذَلِكَ السِّبْطِ، أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ دِيَتَهُ"

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عِنْدَنَا: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}

أَنْ يُقَالَ: أَمَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَضْرِبُوا الْقَتِيلَ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ لِيَحْيَا الْمَضْرُوبُ. وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ وَلَا خَبَرَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَيِّ أَبْعَاضِهَا الَّتِي أُمِرَ الْقَوْمُ أَنْ يَضْرِبُوا الْقَتِيلَ بِهِ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ بِهِ هُوَ الْفَخِذُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الذَّنَبَ وَغُضْرُوفَ الْكَتِفِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَبْعَاضِهَا. وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِأَيِّ ذَلِكَ ضَرَبُوا الْقَتِيلَ، وَلَا يَنْفَعُ الْعِلْمُ بِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا كَانَ مَعْنَى الْأَمْرِ بِضَرْبِ الْقَتِيلِ بِبَعْضِهَا؟

قِيلَ: لِيَحْيَا فَيُنْبِئُ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِينَ ادَّارَءُوا فِيهِ مِنْ قَاتِلِهِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَأَيْنَ الْخَبَرُ عَنْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِذَلِكَ؟

قِيلَ: تَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَحْوَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.

وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَقُلْنَا: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا لِيَحْيَا، فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ؛ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ}

وَالْمَعْنَى: فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى}

وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى}

مُخَاطَبَةٌ مِنَ اللَّهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَاحْتِجَاجٌ مِنْهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ، وَأَمْرُهُمْ بِالِاعْتِبَارِ بِمَا كَانَ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ إِحْيَاءِ قَتِيلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَمَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، اعْتَبِرُوا بِإِحْيَائِي هَذَا الْقَتِيلَ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَإِنِّي كَمَا أَحْيَيْتَهُ فِي الدُّنْيَا فَكَذَلِكَ أُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، فَأَبْعَثُهُمْ يَوْمَ الْبَعْثِ. فَإِنَّمَا احْتَجَّ جَلَّ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهُمْ قَوْمٌ أُمِّيُّونَ لَا كِتَابَ لَهُمْ، لِأَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ، فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ لِيَتَعَرَّفُوا عِلْمَ مَنْ قَبْلَهُمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}

يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ: وَيُرِيكُمْ اللَّهُ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ آيَاتِهِ، وَآيَاتُهُ: أَعْلَامُهُ وَحُجَجُهُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، لِتَعْقِلُوا وَتَفْهَمُوا أَنَّهُ مُحِقٌّ صَادِقٌ فَتُؤْمِنُوا بِهِ وَتَتَّبِعُوهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت