فهرس الكتاب

الصفحة 4101 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ, فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَإِذَا بَرَأْتُمْ مِنْ مَرَضِكُمُ الَّذِي أَحْصَرَكُمْ عَنْ حَجِّكُمْ، أَوْ عُمْرَتِكُمْ

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِذَا أَمِنْتُمْ مِنْ خَوْفِكُمْ.

عَنِ الرَّبِيعِ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ}

قَالَ: «إِذَا أَمِنَ مِنْ خَوْفِهِ, وَبَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ» وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ, لِأَنَّ الْأَمْنَ هُوَ خِلَافُ الْخَوْفِ, لَا خِلَافُ الْمَرَضِ, إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَرَضًا مَخُوفًا مِنْهُ الْهَلَاكُ, فَيُقَالُ: فَإِذَا أَمِنْتُمُ الْهَلَاكَ مِنْ خَوْفِ الْمَرَضِ وَشِدَّتِهِ, وَذَلِكَ مَعْنًى بَعِيدٌ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَعْنَاهُ الْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ, لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْعَدُوِّ خَائِفُونَ, فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِهَا مَا عَلَيْهِمْ إِذَا أَحْصَرَهُمْ خَوْفُ عَدُوِّهِمْ عَنِ الْحَجِّ, وَمَا الَّذِي عَلَيْهِمْ إِذَا هُمْ أَمِنُوا مِنْ ذَلِكَ, فَزَالَ عَنْهُمْ خَوْفُهُمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَزَالَ عَنْكُمْ خَوْفُكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ أَوْ هَلَاكِكُمْ مِنْ مَرَضِكُمْ فَتَمَتَّعْتُمْ بِعُمْرَتِكُمْ إِلَى حَجِّكُمْ, فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ التَّمَتُّعِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ, فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُحْصِرَهُ خَوْفُ الْعَدُوِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ عَائِقٌ مِنَ الْعِلَلِ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ, فَيَقْدَمُ مَكَّةَ, فَيَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ, ثُمَّ يَحِلُّ فَيَسْتَمْتِعُ بِإِحْلَالِهِ مِنْ إِحْرَامِهِ ذَلِكَ إِلَى السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ, ثُمَّ يَحُجُّ، وَيَهْدِي, فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالْإِحْلَالِ مِنْ لَدُنْ يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ إِلَى إِحْرَامِهِ الثَّانِي مِنَ الْقَابِلِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فِي حَجِّكُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَإِذَا أَمِنْتُمْ وَقَدْ حَلَلْتُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمْ وَلَمْ تَقْضُوا عُمْرَةً تَخْرُجُونَ بِهَا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِحَجِّكُمْ، وَلَكِنْ حَلَلْتُمْ حِينَ أُحْصِرْتُمْ بِالْهَدْيِ وَأَخَّرْتُمُ الْعُمْرَةَ إِلَى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ فَاعْتَمَرْتُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَلَلْتُمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِإِحْلَالِكُمْ إِلَى حَجِّكُمْ, فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ الْمُحْصَرَ وَغَيْرَ الْمُحْصَرِ

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَنْ فَسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ, فَجَعَلَهُ عُمْرَةً, وَاسْتَمْتَعَ بِعُمْرَتِهِ إِلَى حَجِّهِ, فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ مُعْتَمِرًا مِنْ أُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ, فَإِذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَقَامَ حَلَالًا بِمَكَّةَ حَتَّى يُنْشِئَ مِنْهَا الْحَجَّ, فَيَحُجُّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ, فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِإِحْلَالٍ إِلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ.

وكَانَ عَطَاءٌ، يَقُولُ:"الْمُتْعَةُ لِخَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ: الرَّجُلِ, وَالْمَرْأَةِ, وَالْحُرِّ, وَالْعَبْدِ, هِيَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ، وَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى يَحُجَّ, سَاقَ هَدْيًا مُقَلَّدًا، أَوْ لَمْ يَسُقْ، إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمُتْعَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي شُهُورِ الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ بِعُمْرَةٍ إِلَى الْحَجِّ, وَلَمْ تُسَمَّ الْمُتْعَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِتَمَتُّعِ النِّسَاءِ"

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَا: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي حَجِّكُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ مِمَّنْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ بِعُمْرَةٍ اعْتَمَرَهَا لِفَوْتِهِ الْحَجُّ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إِلَى قَضَاءِ الْحِجَّةِ الَّتِي فَاتَتْهُ حِينَ أُحْصِرَ عَنْهَا، ثُمَّ دَخَلَ فِي عُمْرَتِهِ فَاسْتَمْتَعَ بِإِحْلَالِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ إِلَى أَنْ يَحُجَّ, فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا مَنْ أَنْشَأَ عُمْرَةً فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَضَاهَا ثُمَّ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَأَقَامَ حَلَالًا حَتَّى يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ غَيْرَ أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}

هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَخْبَرَ عَمَّا عَلَى الْمُحْصَرِ عَنِ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي إِحْصَارِهِ, فَكَانَ مِمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ إِذَا أَمِنَ مِنْ إِحْصَارِهِ فَتَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ اللَّازِمُ لَهُ عِنْدَ أَمْنِهِ مِنْ إِحْصَارِهِ مِنَ الْعَمَلِ بِسَبَبِ الْإِحْلَالِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي حَجِّهِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ دُونَ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ عُمْرَتَهُ، وَلَا حَجَّهُ إِحْصَارُ مَرَضً، وَلَا خَوْفٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت