قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ... (30) }
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ اسْتِخْبَارِهَا وَالْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنَّهَا قَدْ أُخْبِرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ؟
قِيلَ: وَجْهُ اسْتِخْبَارِهَا حِينَئِذٍ يَكُونُ عَنْ حَالِهِمْ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَهَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ؟ وَمَسْأَلَتُهُمْ رَبَّهُمْ أَنْ يَجْعَلَهُمُ الْخُلَفَاءُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَعْصُوهُ. وَغَيْرُ فَاسِدٍ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ ذَلِكَ لِمَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ عِلْمِ سُكَّانِ الْأَرْضِ قَبْلَ آدَمَ مِنَ الْجِنِّ، فَقَالَتْ لِرَبِّهَا: أَجَاعِلٌ فِيهَا أَنْتَ مِثْلَهُمْ مِنَ الْخَلْقِ يَفْعَلُونَ مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَ؟ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْلَامِ مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهَا إِخْبَارًا عَمَّا لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ. وَغَيْرُ خَطَأٍ أَيْضًا مَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِيلُ الْمَلَائِكَةِ مَا قَالَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ مِنْهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ خَلْقٌ يَعْصِي خَالِقَهُ.
وَإِنَّمَا تَرَكْنَا الْقَوْلَ بِالَّذِي رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَبِالَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا خَبَرَ عِنْدَنَا بِالَّذِي قَالُوهُ مِنْ وَجْهٍ يَقْطَعُ مَجِيئُهُ الْعُذْرَ وَيُلْزِمُ سَامِعَهُ بِهِ الْحُجَّةَ.
وَالْخَبَرُ عَمَّا مَضَى وَمَا قَدْ سَلَفَ، لَا يُدْرَكُ عِلْمُ صِحَّتِهِ إِلَّا بَمِجِيئِهِ مَجِيئًا يَمْتَنِعُ مِنْهُ التَّشَاغُبُ وَالتَّوَاطُؤُ، وَيَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالْخَطَأُ وَالسَّهْوُ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ كَذَلِكَ فِيمَا حَكَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ، وَلَا فِيمَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِالْآيَةِ، مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ دَلَالَةً مِمَّا يَصِحُّ مَخْرَجُهُ فِي الْمَفْهُومِ. اهـ
أقول: يا ليته التزم بهذه القاعدة النفيسة - التي ذكرها - في رد بعض المروايات التي تطعن في عصمة الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - لكن .. سبحان من تفرد بالكمال.