الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}
الَّتِي إِذَا خِيفَ مِنَ الزَّوْجِ، وَالْمَرْأَةِ أَنْ لَا يُقِيمَاهَا حَلَّتْ لَهُ الْفِدْيَةُ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ عَلَيْهِمَا بِصَنِيعِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْتِخْفَافُ الْمَرْأَةِ بِحَقِّ زَوْجِهَا وَسُوءِ طَاعَتِهَا إِيَّاهُ، وَأَذَاهَا لَهُ بِالْكَلَامِ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا يُطِيعَا اللَّهَ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَرَائِضِ فِيمَا أَلْزَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ مِنَ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالصُّحْبَةِ بِالْجَمِيلِ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَقَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَا رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، لِأَنَّ مِنَ الْوَاجِبِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِطَاعَتُهُ فِيمَا أَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَتَهُ فِيهِ، وَأَنْ لَا تُؤْذِيَهُ بِقَوْلٍ، وَلَا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إِذَا دَعَاهَا لِحَاجَتِهِ، فَإِذَا خَالَفَتْ مَا أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ قَدْ ضَيَّعَتْ حُدُودَ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَهَا بِإِقَامَتِهَا.
وَأَمَّا مَعْنَى إِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ الْعَمَلُ بِهَا، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا، وَتَرْكُ تَضْيِيعِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ.