فهرس الكتاب

الصفحة 5585 من 6201

وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْخَوْفِ مِنْهُمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَظْهَرَ مِنَ الْمَرْأَةِ سُوءُ الْخُلُقِ وَالْعِشْرَةِ لِزَوْجِهَا، فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهَا لَهُ، حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَعْطَتْهُ مِنْ فِدْيَةٍ عَلَى فِرَاقِهَا.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ:"فِي الْمُخْتَلِعَةِ: يَعِظُهَا، فَإِنِ انْتَهَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا، فَإِنِ انْتَهَتْ وَإِلَّا ضَرَبَهَا، فَإِنِ انْتَهَتْ وَإِلَّا رَفَعَ أَمْرَهَا إِلَى السُّلْطَانِ، فَيَبْعَثُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، فَيَقُولُ الْحَكَمُ الَّذِي مِنْ أَهْلِهَا: تَفْعَلُ بِهَا كَذَا وَتَفْعَلُ بِهَا كَذَا، وَيَقُولُ الْحَكَمُ الَّذِي مِنْ أَهْلِهِ: تَفْعَلُ بِهِ كَذَا وَتَفْعَلُ بِهِ كَذَا، فَأَيُّهُمَا كَانَ أَظْلَمَ رَدَّهُ السُّلْطَانُ وَأَخَذَ فَوْقَ يَدِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَاشِزًا أَمَرَهُ أَنْ يَخْلَعَ"

وعَنِ الرَّبِيعِ قَالَ:"إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ رَاضِيَةً مُغْتَبِطَةً مُطِيعَةً، فَلَا مَحَلَّ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا، حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ، فَمَا أُخِذَ مِنْهَا فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِذَا كَانَ النُّشُوزُ، وَالْبُغْضُ، وَالظُّلْمُ مِنْ قِبَلِهَا، فَقَدْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا افْتَدَتْ بِهِ"

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْخَوْفُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَبِرَّ لَهُ قَسَمًا وَلَا تُطِيعُ لَهُ أَمْرًا، وَتَقُولُ: لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ وَلَا أُطِيعُ لَكَ أَمْرًا، فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ لَهُ عِنْدَهُمْ أَخْذُ مَا آتَاهَا عَلَى فِرَاقِهِ إِيَّاهَا

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْخَوْفُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَبْتَدِئَ لَهُ بِلِسَانِهَا قَوْلًا أَنَّهَا لَهُ كَارِهَةٌ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ أَخْذَ الْفِدْيَةِ أَنْ يَكُونَ خَوْفَ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا لِكَرَاهَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صُحْبَةَ الْآخَرِ.

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَخْذُ الْفِدْيَةِ مِنَ امْرَأَتِهِ عَلَى فِرَاقِهِ إِيَّاهَا، حَتَّى يَكُونَ خَوْفُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ فِي تَفْرِيطِهِ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَنْ"قَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَبَاحَ لِلزَّوْجِ أَخْذُ الْفِدْيَةِ مِنَ امْرَأَتِهِ عِنْدَ خَوْفِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ"

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا عَلَى الرَّجُلِ قَبُولُ الْفِدْيَةِ مِنْهَا إِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا دُونَهُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ لَهَا مِثْلُ الَّذِي يَكُونُ مِنْهَا لَهُ؟

قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَنْتُ، وَذَلِكَ أَنَّ فِيَ نُشُوزِهَا عَلَيْهِ دَاعِيَةً لَهُ إِلَى التَّقْصِيرِ فِي وَاجِبِهَا وَمُجَازَاتِهَا بِسُوءِ فِعْلِهَا بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ لِلْمُسْلِمِينَ الْخَوْفَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَاجِبِ حَقِّ صَاحِبِهِ قَدْ وَجَدَ وَسُوءَ الصُّحْبَةِ، وَالْعِشْرَةِ قَدْ ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ هُنَاكَ لِلْخَوْفِ مَوْضِعٌ، إِذْ كَانَ الْمَخُوفُ قَدْ وُجِدَ، وَإِنَّمَا يُخَافُ وقُوعُ الشَّيْءِ قَبْلَ حُدُوثِهِ، فَأَمَّا بَعْدَ حُدُوثِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْخَوْفِ مِنْهُ، وَلَا الزِّيَادَةِ فِي مَكْرُوهِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت