فهرس الكتاب

الصفحة 837 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ(48)}

وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.

وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِيهُ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:

قَدْ صَبَحَتْ صَبَّحَهَا السَّلَامُ ... بِكَبِدٍ خَالَطَهَا سَنَامُ

فِي سَاعَةٍ يُحَبُّهَا الطَّعَامُ

وَهُوَ يَعْنِي: يُحَبُّ فِيهَا الطَّعَامُ، فَحُذِفَتِ الْهَاءُ الرَّاجِعَةُ عَلَى الْيَوْمِ، إِذْ فِيهِ اجْتِزَاءٌ بِمَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ}

الدَّالُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْهُ عَمَّا حُذِفَ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ.

وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَّا الْهَاءَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ إِلَّا فِيهِ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى جَوَازِ حَذْفِ كُلِّ مَا دَلَّ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}

فَإِنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ عُقُوبَتَهُ أَنْ تَحِلَّ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، وَلَا يَجْزِي فِيهِ وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا.

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي: لَا تُغْنِي

وَأَصْلُ الْجَزَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْقَضَاءُ وَالتَّعْوِيضُ يُقَالُ: جَزَيْتُهُ قَرْضَهُ وَدَيْنَهُ أَجْزِيهِ جَزَاءً، بِمَعْنَى: قَضَيْتُهُ دَيْنَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: جَزَى اللَّهُ فُلَانًا عَنِّي خَيْرًا أَوْ شَرًّا، بِمَعْنَى: أَثَابَهُ عَنِّي وَقَضَاهُ عَنِّي مَا لَزِمَنِي لَهُ بِفِعْلِهِ الَّذِي سَلَفَ مِنْهُ إِلَيَّ.

فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنًى.

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى: لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ، وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنًى؟

قِيلَ: هُوَ أَنَّ أَحَدَنَا الْيَوْمَ رُبَّمَا قَضَى عَنْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ ذِي الصَّدَاقَةِ وَالْقَرَابَةِ دَيْنَهُ؛ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ فِيمَا أَتَتْنَا بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْهَا يَسُرُّ الرَّجُلَ أَنْ يَبْرُدَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ، وَذَلِكَ أَنَّ قَضَاءَ الْحُقُوقِ فِي الْقِيَامَةِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: «أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ، فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ»

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}

يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَقْضِي عَنْهَا شَيْئًا لَزِمَهَا لِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَالِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ عَلَى مَا وَصَفْنَا.

وَكَيْفَ يَقْضِي عَنْ غَيْرِهِ مَا لَزِمَهُ مَنْ كَانَ يَسُرُّهُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ، فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ وَلَا يَتَجَافَى لَهُ عَنْهُ؟.

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}

لَا تَجْزِي مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مَكَانَهَا.

وَهَذَا قَوْلٌ يَشْهَدُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ عَلَى فَسَادِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: مَا أَغْنَيْتَ عَنِّي شَيْئًا، بِمَعْنَى: مَا أَغْنَيْتَ مِنِّي أَنْ تَكُونَ مَكَانِي، بَلْ إِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يَجْزِي مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا: لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا شَيْئًا. فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}

مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ لَقَالَ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ}

كَمَا يُقَالُ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ مِنْ نَفْسٍ، وَلَمْ يَقُلْ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا: وَفِي صِحَّةِ التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت