إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى قِيلَ لَهُ ذَلِكَ؟
قِيلَ: بَلَى، فَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَبَرٌ عَنْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ؛ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ كَمَا تَفْعَلُ مِثْلَهُ الْعَرَبُ فِي خِطَابِ بَعْضِهَا بَعْضًا، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ؟ أَلَمْ أَتَفَضَّلْ عَلَيْكَ؟ بِمَعْنَى إِخْبَارِهِ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ، يُرِيدُ أَلَيْسَ قَدْ أَكْرَمْتُكَ؟ أَلَيْسَ قَدْ تَفَضَّلْتُ عَلَيْكَ؟ بِمَعْنَى قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {أَلَمْ تَعْلَمْ}
إِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَمَا عَلِمْتَ. وَهُوَ حَرْفُ جَحْدٍ أُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ، وَحُرُوفُ الِاسْتِفْهَامِ إِنَّمَا تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِمَّا بِمَعْنَى الِاسْتِثْبَاتِ، وَإِمَّا بِمَعْنَى النَّفْي. فَأَمَّا بِمَعْنَى الْإِثْبَاتِ فَذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى حُرُوفِ الْجَحْدِ؛ وَلَكِنْ ذَلِكَ عِنْدِي وَإِنْ كَانَ ظَهَرَ ظُهُورَ الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّمَا هُوَ مَعْنَى بِهِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} . وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}
فَعَادَ بِالْخِطَابِ فِي آخِرِ الْآيَةِ إِلَى جَمِيعِهِمْ، وَقَدْ ابْتَدَأَ أَوَّلَهَا بِخِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الَّذِينَ وَصَفْتُ أَمَرَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مُسْتَفِيضٌ بَيْنَهُمْ فَصِيحٌ، أَنْ يُخْرِجَ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ مِنْهُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَهُوَ قَاصِدٌ بِهِ غَيْرَهُ، وَعَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لِوَاحِدٍ وَهُوَ يَقْصِدَ بِهِ جَمَاعَةً غَيْرَهُ، أَوْ جَمَاعَةً وَالْمُخَاطَبُ بِهِ أَحَدُهُمْ؛ وَعَلَى هَذَا الْخِطَابُ لِلْجَمَاعَةِ وَالْمَقْصُودُ بِهِ أَحَدُهُمْ،
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}
ثُمَّ قَالَ: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}
فَرَجَعَ إِلَى خِطَابِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدِ ابْتَدَأَ الْكَلَامَ بِخِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الْكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ فِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[البحر المنسرح]
إِلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ أَحْمَدَ لَا ... يَعْدِلُنِي رَغْبَةٌ وَلَا رَهَبُ
عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَوْ رَفَعَ ... النَّاسُ إِلَيَّ الْعُيُونَ وَارْتَقَبُوا
وَقِيلَ أَفْرَطْتَ بَلْ قَصَدْتُ وَلَوْ ... عَنَّفَنِي الْقَائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا
لَجَّ بِتَفْضِيلِكَ اللِّسَانُ وَلَوْ ... أُكْثِرَ فِيكَ الضِّجَاجُ وَاللَّجَبُ
أَنْتَ الْمُصَفَّى الْمَحْضُ الْمُهَذَّبُ ... فِي النِّسْبَةِ إِنْ نَصَّ قَوْمَكَ النَّسَبُ
فَأَخْرَجَ كَلَامَهُ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاصِدٌ بِذَلِكَ أَهْلَ بَيْتِهِ،
فَكَّنَى عَنْ وَصْفِهِمْ وَمَدْحِهِمْ بِذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ بَنِي أُمَيَّةَ بِالْقَائِلِينَ الْمُعَنِّفِينَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا أَحَدٌ يُوصَفُ بِتَعْنِيفِ مَادِحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفْضِيلِهِ، وَلَا بِإِكْثَارِ الضِّجَاجِ وَاللَّجَبِ فِي إِطْنَابِ الْقِيلِ بِفَضْلِهِ. وَكَمَا قَالَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ:
[البحر الطويل]
أَلَا إِنَّ جِيرَانِي الْعَشِيَّةَ رَائِحٌ ... دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوًى وَمَنَادِحُ
فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ جِيرَانِي الْعَشِيَّةَ» فَابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ جَمَاعَةِ جِيرَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: «رَائِحٌ» لِأَنَّ قَصْدَهُ فِي ابْتِدَائِهِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ كَلَامِهِ الْخَبَرَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ جَمَاعَتِهِمْ. وَكَمَا قَالَ جَمِيلٌ أَيْضًا فِي كَلِمَتِهِ الْأُخْرَى:
خَلِيلَيَّ فِيمَا عِشْتُمَا هَلْ رَأَيْتُمَا ... قَتِيلًا بَكَى مِنْ حُبِّ قَاتِلِهِ قَبْلِي
وَهُوَ يُرِيدُ قَاتِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِفُ امْرَأَةً فَكَنَّى بِاسْمِ الرَّجُلِ عَنْهَا وَهُوَ يَعْنِيهَا. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ بِهِ قَصْدَ أَصْحَابِهِ؛ وَذَلِكَ بَيِّنٌ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ}
الْآيَاتُ الثَّلَاثُ بَعْدَهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ