الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الصِّيَامُ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ. وَنَصَبَ «أَيَّامًا» بِمُضْمَرٍ مِنَ الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنْ تَصُومُوا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، كَمَا يُقَالُ: أَعْجَبَنِي الضَّرْبُ زَيْدًا وَقَوْلُهُ: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}
مِنَ الصِّيَامِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الَّذِي كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنْ تَصُومُوا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِقَوْلِهِ: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}
فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي فُرِضَ عَلَى النَّاسِ مِنَ الصِّيَامِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ رَمَضَانَ كَانَ تَطَوُّعًا صَوْمُهُنَّ، وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِقَوْلِهِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}
أَيَّامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، لَا الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَ يَصُومُهُنَّ قَبْلَ وُجُوبِ فَرْضِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ
وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}
أَيَّامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ خَبَرٌ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ بِأَنَّ صَوْمًا فُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ نُسِخَ بِصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّ الصِّيَامَ الَّذِي أَوْجَبُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْنَا هُوَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ بِإِبَانَتِهِ عَنِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْنَا صَوْمَهَا بِقَوْلِهِ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}
فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ صَوْمًا كَانَ قَدْ لَزِمَ الْمُسْلِمِينَ فَرْضُهُ غَيْرَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِينَ هُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى وُجُوبِ فَرْضِ صَوْمِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خَبَرٍ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، إِذْ كَانَ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِخَبَرٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ.
وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا لِلَّذِي بَيَّنَّا، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ هِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ. وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}
كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا الْمَعْدُودَاتُ: فَهِيَ الَّتِي تُعَدُّ مَبَالِغُهَا وَسَاعَاتُ أَوْقَاتِهَا، وَحَتَّى بِقَوْلِهِ مَعْدُودَاتٍ: مُحْصَيَاتٍ.