فهرس الكتاب

الصفحة 4886 من 6201

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ فِيهِمَا، يَعْنِي فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إِثْمٌ كَبِيرٌ. فَالْإِثْمُ الْكَبِيرُ الَّذِي فِيهِمَا مَا ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ فَإِثْمُ الْخَمْرِ أَنَّ الرَّجُلَ يَشْرَبُ فَيَسْكَرُ فَيُؤْذِي النَّاسَ. وَإِثْمُ الْمَيْسِرِ أَنْ يُقَامِرَ الرَّجُلُ فَيَمْنَعَ الْحَقَّ، وَيَظْلِمَ""

عَنْ مُجَاهِدٍ:" {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} "

قَالَ: هَذَا أَوَّلُ مَا عِيبَتْ بِهِ الْخَمْرُ""

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ:" {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} "

يَعْنِي مَا يَنْقُصُ مِنَ الدِّينِ عِنْدَ مَنْ يَشْرَبُهَا""

وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، الْإِثْمُ الْكَبِيرُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فِي الْخَمْرِ، وَالْمَيْسِرِ، فَالْخَمْرُ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ: زَوَالُ عَقْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ إِذَا سَكِرَ مِنْ شُرْبِهِ إِيَّاهَا حَتَّى يَعْزُبَ عَنْهُ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ الْآثَامِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَأَمَّا فِي الْمَيْسِرِ فَمَا فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ بِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَوُقُوعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُتَيَاسِرَيْنِ بِسَبَبِهِ، كَمَا وَصَفَ ذَلِكَ بِهِ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ}

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}

فَإِنَّ مَنَافِعَ الْخَمْرِ كَانَتْ أَثْمَانَهَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، وَمَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ بِشُرْبِهَا مِنَ اللَّذَّةِ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي صِفَتِهَا.

[البحر الطويل]

لَنَا مِنْ ضُحَاهَا خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ ... وَذِكْرَى هَمُومٍ مَا تَفُكُّ أَذاتُهَا

وَعِنْدَ الْعِشَاءِ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ ... وَمَالٌ كَثِيرٌ عِدَّةٌ نَشَوَاتُهَا

وَكَمَا قَالَ حَسَّانُ:

[البحر الوافر]

فَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ

وَأَمَّا مَنَافِعُ الْمَيْسِرِ فَمَا يُصِيبُونَ فِيهِ مِنْ أَنْصِبَاءِ الْجَزُورِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُيَاسِرُونَ عَلَى الْجَزُورِ، وَإِذَا أَفْلَجَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ نَحْرَهُ، ثُمَّ اقْتَسَمُوا أَعْشَارًا عَلَى عَدَدِ الْقِدَاحِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ.

[البحر الكامل]

وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ إِلَى النَّدَى ... وَنِيَاطِ مُقْفِرَةٍ أَخَافُ ضَلَالَهَا

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} : يَقُولُ فِيمَا يُصِيبُونَ مِنْ لَذَّتِهَا، وَفَرَحِهَا إِذَا شَرِبُوهَا"

وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ عُظْمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ، وَالْبَصْرِيِّينَ {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ}

بِالْبَاءِ، بِمَعْنَى: قُلْ فِي شُرْبِ هَذِهِ وَالْقِمَارِ هَذَا كَبِيرٌ مِنَ الْآثَامِ.

وَقَرَأَهُ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرَيْنِ: الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: «قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ» بِمَعْنَى الْكَثْرَةِ مِنَ الْآثَامِ، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْإِثْمَ بِمَعْنَى الْآثَامِ، وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ وَاحِدًا فَوَصَفُوهُ بِمَعْنَاهُ مِنَ الْكَثْرَةِ.

وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالْبَاءِ {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ}

لِإِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}

وَقِرَاءَتُهُ بِالْبَاءِ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ وُصِفَ بِهِ الْإِثْمُ الْأَوَّلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْعِظَمُ وَالْكِبَرُ، لَا الْكَثْرَةُ فِي الْعَدَدِ. وَلَوْ كَانَ الَّذِي وُصِفَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْكَثْرَةَ، لَقِيلَ وَإِثْمُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت