فهرس الكتاب

الصفحة 1991 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}

الْفَرِيقَ الَّذِينَ لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ، نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}

فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَقَدْ عَلِمَ النَّابِذُونَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كِتَابِي وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ تَجَاهُلًا مِنْهُمْ، التَّارِكُونَ الْعَمَلَ بِمَا فِيهِ، مِنَ اتِّبَاعِكَ يَا مُحَمَّدُ وَاتِّبَاعِ مَا جِئْتَ بِهِ، بَعْدَ إِنْزَالِي إِلَيْكَ كِتَابِي مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ، وَبَعْدَ إِرْسَالِكَ إِلَيْهِمْ بِالْإِقْرَارِ بِمَا مَعَهُمْ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ، الْمُؤْثِرُونَ عَلَيْهِ اتِّبَاعَ السِّحْرِ الَّذِي تَلَتْهُ الشَّيَاطِينُ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ، وَالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ لِمَنِ اشْتَرَى السِّحْرَ بِكِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَى رَسُولِي فَآثَرَهُ عَلَيْهِ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"قَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى السِّحْرَ وَتَرَكَ دَيْنَ اللَّهِ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، فَالنَّارُ مَثْوَاهُ وَمَأْوَاهُ"

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ}

فَإِنَّ مَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}

بِعَامِلٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {عَلِمُوا}

بِمَعْنَى الْيَمِينِ؛ فَلِذَلِكَ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ بِمَعْنَى: وَاللَّهِ لَمَنِ اشْتَرَى السِّحْرَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. وَلِكَوْنِ قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}

بِمَعْنَى الْيَمِينِ حُقِّقَتْ بِلَامِ الْيَمِينِ، فَقِيلَ: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ}

كَمَا يُقَالُ: أُقْسِمُ لَمَنْ قَامَ خَيْرٌ مِمَّنْ قَعَدَ، وَكَمَا يُقَالُ: قَدْ عَلِمْتَ لَعَمْرٌو خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ.

وَأَمَّا مَنْ فَهُوَ حَرْفُ جَزَاءٍ.

وَإِنَّمَا قِيلَ «اشْتَرَاهُ» وَلَمْ يَقُلْ يَشْتَرُوهُ، لِدُخُولِ لَامِ الْقَسَمِ عَلَى «مَنْ» ، وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا أَحْدَثَتْ عَلَى حَرْفِ الْجَزَاءِ لَامَ الْقَسَمِ أَنْ لَا يَنْطِقُوا فِي الْفِعْلِ مَعَهُ إِلَّا بِـ فَعَلَ دُونَ يَفْعَلُ إِلَّا قَلِيلًا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُحْدِثُوا عَلَى الْجَزَاءِ حَادِثًا؛ وَهُوَ مَجْزُومٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ}

وَقَدْ يَجُوزُ إِظْهَارُ فِعْلِهِ بَعْدَهُ عَلَى يَفْعَلُ مَجْزُومًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الطويل]

لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتُكُمْ ... لِيَعْلَمَ رَبِّي أَنَّ بَيْتِيَ وَاسِعُ

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}

فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْخَلَاقُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: النَّصِيبُ

وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْخَلَاقُ هَهُنَا: الْحُجَّةُ

وَقَالَ آخَرُونَ: الْخَلَاقُ: الدِّينُ

وَقَالَ آخَرُونَ: الْخَلَاقُ هَهُنَا: الْقِوَامُ

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْخَلَاقِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: النَّصِيبُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيُؤَيِّدَنَّ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» يَعْنِي لَا نَصِيبَ لَهُمْ وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ.

وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:

[البحر البسيط]

يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ فِيهَا لَا خَلَاقَ لَهُمْ ... إِلَّا سَرَابِيلَ مِنْ قِطْرٍ وَأَغْلَالِ

يَعْنِي بِذَلِكَ: لَا نَصِيبَ لَهُمْ وَلَا حَظَّ إِلَّا السَّرَابِيلُ وَالْأَغْلَالُ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}

مَا لَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ حَظٌّ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِيمَانٌ وَلَا دِينٌ وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ يُجَازَى بِهِ فِي الْجَنَّةِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ حَظٌّ وَنَصِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ.

وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}

فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ يَعْنِي بِهِ لَا نَصِيبَ لَهُ مِنْ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَجَنَّةٍ دُونَ نَصِيبِهِ مِنَ النَّارِ. إِذْ كَانَ قَدْ دَلَّ ذَمُّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَفْعَالَهُمُ الَّتِي نَفَى مِنْ أَجْلِهَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ عَلَى مُرَادِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَأَمَّا مِنَ الشُّرُورِ فَإِنَّ لَهُمْ فِيهَا نَصِيبًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت