يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}
أُولَئِكَ الَّذِينَ أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى، وَأَخَذُوا مَا يُوجِبُ لَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَرَكُوا مَا يُوجِبُ لَهُمْ غُفْرَانَهُ وَرِضْوَانَهُ. فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْعَذَابِ وَالْمَغْفِرَةِ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي يُوجِبُهُمَا لِفَهْمِ سَامِعِي ذَلِكَ لِمَعْنَاهُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا وَجْهَ: {اشْتَرُوا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}
بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ وَالدَّلَالَةِ الشَّاهِدَةِ بِمَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إِلَى النَّارِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَا أَعْمَلُهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ (مَا) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَمَا الَّذِي صَبَّرَهُمْ؟ أَيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهُمْ؟
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ تَعَجُّبٌ، يَعْنِي: فَمَا أَشَدَّ جُرْأَتِهِمْ عَلَى النَّارِ بِعَمَلِهِمْ أَعْمَالَ أَهْلِ النَّارِ
عَنْ مُجَاهِدٍ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}
قَالَ «مَا أَعْمَلَهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ» وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فَمَنْ قَالَ هُوَ تَعَجُّبٌ، وَجْهُ تَأْوِيلِ الْكَلَامِ إِلَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَشَدَّ جُرْأَتِهِمْ بِفِعْلِهِمْ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوجِبُ لَهُمُ النَّارَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}
تَعَجُّبًا مِنْ كُفْرِهِ بِالَّذِي خَلَقَهُ وَسَوَّى خَلْقَهُ. فَأَمَّا الَّذِينَ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ فَمَعْنَاهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ وَالنَّارُ لَا صَبْرَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ حَتَّى اسْتَبْدَلُوهَا بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ فَاعْتَاضُوهَا مِنْهَا بَدَلًا؟. وَأُولَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى النَّارِ، بِمَعْنَى: مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ، وَأَعْمَلَهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ: مَا أَصْبَرَ فُلَانًا عَلَى اللَّهِ، بِمَعْنَى: مَا أَجْرَأَ فُلَانًا عَلَى اللَّهِ؛ وَإِنَّمَا يُعْجِبُ اللَّهُ خَلْقَهُ بِإِظْهَارِ الْخَبَرِ عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ، وَاشْتَرَائِهِمْ بِكِتْمَانِ ذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا مِنَ السُّحْتِ، وَالرُّشَا الَّتِي أُعْطُوهَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ مِنْ تَقَدُّمِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لَهُمْ سَخَطَ اللَّهِ وَأَلِيمَ عِقَابِهِ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: «فَمَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ» وَلَكِنِ اجْتُزِئَ بِذِكْرِ النَّارِ مِنْ ذِكْرِ عَذَابِهَا كَمَا يُقَالُ: مَا أَشْبَهَ سَخَاءَكَ بِحَاتِمٍ، بِمَعْنَى: مَا أَشْبَهَ سَخَاءَكَ بِسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَمَا أَشْبَهَ شَجَاعَتَكَ بِعَنْتَرَةَ.