والقرَأةُ مجمعةٌ على قراءة"غير"بجر الراء منها. والخفضُ يأتيها من وجهين:
أحدهما: أن يكون"غير"صفة لِ"الذين"ونعتًا لهم فتخفضها. إذ كان"الذين"خفضًا، وهي لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكون"غير"نعتًا لِـ"الذين"، و"الذين"معرفة و"غير"نكرة، لأن"الذين"بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء التي هي أماراتٌ بين الناس، مثل: زيد وعمرو، وما أشبه ذلك؛ وإنما هي كالنكرات المجهولات، مثل: الرجل والبعير، وما أشبه ذلك. فلما كان"الذين"كذلك صفتُها، وكانت"غير"مضافةً إلى مجهول من الأسماء، نظيرَ"الذين"، في أنه معرفة غير موقتة، كما"الذين"معرفة غير مؤقتة - جاز من أجل ذلك أن يكون"غير المغضوب عليهم"نعتًا لِ"الذين أنعمت عليهم"كما يقال:"لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل"، يراد: لا أجلس إلا إلى مَن يعلم، لا إلى مَن يجهل.
ولو كان"الذين أنعمت عليهم"مَعرفة موقتة. كان غير جائز أن يكون"غير المغضوب عليهم"لها نعتًا. وذلك أنه خطأ في كلام العرب - إذا وصفت معرفة مؤقَّتة بنكرة - أن تُلْزِم نَعتها النكرةَ إعرابَ المعرفة المنعوت بها، إلا على نية تكرير ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأ في كلامهم أن يقال:"مررت بعبد الله غير العالم"، فتخفض"غير"، إلا على نية تكرير الباء التي أعرَبتْ عبد الله. فكان معنى ذلك لو قيل كذلك: مَرَرتُ بعبد الله، مررت بغيرِ العالم. فهذا أحد وجهي الخفض في:"غير المغضوب عليهم".
والوجهُ الآخر من وجهي الخفض فيها: أن يكون"الذين"بمعنى المعرفة المؤقتة. وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت"غير"مخفوضةً بنية تكرير"الصراط"الذي خُفِض"الذين"عليها، فكأنك قلت: صراطَ الذين أنعمت عليهم، صراطَ غير المغضوب عليهم.
وهذان التأويلان في"غير المغضوب عليهم"، وإن اختلفا باختلاف مُعرِبَيْهما، فإنهما يتقارب معناهما. من أجل أنَّ من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق، فقد سلم من غضب رَبه ونجا من الضلال في دينه.
فسواءٌ - إذ كان سَبب قوله:"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم"غيرَ جائزٍ أن يرتاب، مع سماعه ذلك من تاليه، في أن الذين أنْعم الله عليهم بالهداية للصِّراط غيرُ غاضب ربُّهم عليهم، مع النعمة التي قد عظمت مِنَّته بها عليهم في دينهم؛ ولا أن يكونوا ضُلالا وقد هداهم الحقَّ ربُّهم. إذْ كان مستحيلا في فِطَرِهم اجتماعُ الرضَى من الله جلّ ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة، واجتماعُ الهدى والضلال له في وقت واحد - أَوُصِفَ الْقَوْمُ مَعَ وَصْفِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ تَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ وهدايته لهم، وإنعامه عَليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم، بأنهم غيرُ مغضوب عليهم ولا هم ضَالُّون؛ أم لم يوصفوا بذلك. لأن الصِّفة الظاهرة التي وُصفوا بها، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يصرِّح وصفَهُم به.
هذا، إذا وجَّهنا"غير"إلى أنها مخفوضة على نية تكرير"الصراطِ"الخافضِ"الذين"، ولم نجعل"غير المغضوب عليهم ولا الضالين"من صفة"الذين أنعمت عليهم"، بل إذا حملناهم غيرَهم. وإن كان الفريقان لا شك مُنْعَمًا عليهما في أدْيانهم.
فأمّا إذا وجهنا"غير المغضوب عليهم ولا الضالين"إلى أنها من نَعت،"الذين أنعمت عليهم". فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذْ كان الصريحُ من معناه قد أغنى عن الدليل.