وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي ذَلِكَ [وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ] هَلْ هُوَ قَسَمٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ رَبُّنَا بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ.
وَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} وَلَسْتُ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، وَجَعَلَ «لَا» رَدًّا لِكَلَامٍ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَهُ مِنْ قَوْمٍ، وَجَوَابًا لَهُمْ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ إِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ: لَا وَاللَّهِ، لَا فَعَلْتُ كَذَا، أَنَّهُ يَقْصِدُ بِـ «لَا» رَدَّ الْكَلَامِ، وَبِقَوْلِهِ: وَاللَّهِ، ابْتِدَاءُ يَمِينٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا فَعَلْتُ كَذَا؛ فَإِذَا كَانَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ مَا جَاءَ مِنْ نَظَائِرِهِ جَارِيًا مَجْرَاهُ، مَا لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الْمَعْرُوفِ بِمَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ.
وَبَعْدُ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْحُجَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} قَسَمٌ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}
إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا قَسَمٌ وَالْآخَرَ خَبَرٌ.