يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}
يَعْنِي: حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ بِاللَّهِ، وَحَتَّى لَا يُعْبَدُ دُونَهُ أَحَدٌ، وَتَضْمَحِلَّ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَالْآلِهَةِ، وَالْأَنْدَادِ، وَتَكُونَ الْعِبَادَةُ، وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَالْأَوْثَانِ.
وَأَمَّا الدِّينُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَهُوَ الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْأَعْشَى:
[البحر الخفيف]
هُوَ دَانَ الرِّبَابَ إِذْ كَرِهُوا الدِّيـ ... نَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ، وَصِيَالِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: إِذْ كَرِهُوا الدِّينَ: إِذْ كَرِهُوا الطَّاعَةَ وَأَبَوْهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنِ انْتَهَوْا}
فَإِنِ انْتَهَى الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ عَنْ قِتَالِكُمْ، وَدَخَلُوا فِي مِلَّتِكُمْ، وَأَقَرُّوا بِمَا أَلَزَمَكُمُ اللَّهُ مِنْ فَرَائِضِهِ، وَتَرَكُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عُبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَدَعُوا الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهِمْ، وَقِتَالَهُمْ، وَجِهَادَهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَدَى إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وَالَّذِينَ تَرَكُوا عِبَادَتَهُ وعَبَدُوا غَيْرَ خَالِقِهِمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَهَلْ يَجُوزُ الِاعْتِدَاءُ عَلَى الظَّالِمِ فَيُقَالُ: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} ؟
قِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ غَيْرُ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبْتَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُجَازَاةِ لِمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الِاعْتِدَاءِ، يَقُولُ: افْعَلُوا بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَعَلُوا بِكُمْ، كَمَا يُقَالُ: إِنْ تَعَاطَيْتَ مِنِّي ظُلْمًا تَعَاطَيْتَهُ مِنْكَ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِظُلْمٍ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ شَأْسٍ الْأَسَدِيُّ.
[البحر الطويل]
جَزَيْنَا ذَوِي الْعُدْوَانِ بِالْأَمْسِ قَرْضَهُمْ ... قِصَاصًا سَوَاءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ
وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}
وَ {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}
وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ ذَلِكَ ونَظَائِرَهُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ.
{فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}
فَلَا تُقَاتِلْ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْعُدْوَانَ عَلَى الظَّالِمِينَ وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: اعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَوْا عَلَيْكُمْ"فَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} "
لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فَإِنِ انْتَهَوْا، إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَهُونَ إِلَّا بَعْضُهُمْ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنِ انْتَهَى بَعْضُهُمْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ، فَأَضْمَرَ كَمَا قَالَ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}
يُرِيدَ فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَكَمَا تَقُولُ: إِلَى مَنْ تَقْصِدُ أَقْصِدُ، يَعْنِي إِلَيْهِ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ الْإِضْمَارَ فِي ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلَهُ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنِ انْتَهَى، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ لَا يَنْتَهُونَ.