فهرس الكتاب

الصفحة 2821 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151)}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا}

وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِبَيَانِ شَرَائِعِ مِلَّتِكُمُ الْحَنِيفِيَّةِ، وَأَهْدِيَكُمْ لِدِينِ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَجْعَلُ لَكُمْ دَعْوَتَهُ الَّتِي دَعَانِي بِهَا وَمَسْأَلَتَهُ الَّتِي سَأَلْنِيهَا فَقَالَ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مَسْلَمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}

كَمَا جَعَلْتُ لَكُمْ دَعْوَتَهُ الَّتِي دَعَانِي بِهَا وَمَسْأَلَتَهُ الَّتِي سَأَلْنِيهَا، فَقَالَ: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، فَابْتَعَثْتُ مِنْكُمْ رَسُولِي الَّذِي سَأَلَنِي إِبْرَاهِيمُ خَلِيلِي وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ أَنْ أَبْعَثَهُ مِنْ ذُرِّيتِهِمَا.

فَـ «كَمَا» إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ صِلَةً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}

وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ}

مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}

وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: فَاذْكُرُونِي كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ أَذْكُرْكُمْ. وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، فَأَغْرَقُوا النَّزْعَ، وَبَعُدُوا مِنَ الْإِصَابَةِ، وَحَمَلُوا الْكَلَامَ عَلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ وَسَوِيِّ وَجْهِهِ الْمَفْهُومِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْجَارِيَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ الْمَفْهُومِ فِي خِطَابِهِمْ بَيْنَهُمْ إِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «كَمَا أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ يَا فُلَانُ فَأَحْسِنْ» أَنْ لَا يَشْتَرِطُوا لِلْآخَرَ، لِأَنَّ الْكَافَ فِي «كَمَا» شَرْطٌ مَعْنَاهُ: افْعَلْ كَمَا فَعَلْتُ، فَفِي مَجِيءِ جَوَابِ: {فَاذْكُرُونِي}

بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: {أَذْكُرْكُمْ}

أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {كَمَا أَرْسَلْنَا}

مِنْ صِلَةِ الْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}

خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ مِنْ سَبَبِ قَوْلِهِ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ}

بِمَعْزَلٍ.

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنَّ قَوْلَهُ: {فَاذْكُرُونِي}

إِذَا جَعَلَ قَوْلَهُ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ}

جَوَابًا لَهُ مَعَ قَوْلِهِ: {أَذْكُرْكُمْ}

نَظِيرَ الْجَزَاءِ الَّذِي يُجَابُ بِجَوَابَيْنِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِذَا أَتَاكَ فُلَانٌ فَأْتِهِ تَرْضَهُ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ «فَأْتِهِ» وَ «تَرْضَهَ» جَوَابَيْنِ لِقَوْلِهِ: إِذَا أَتَاكَ، وَكَقَوْلِهِ: إِنْ تَأْتِنِي أُحْسِنْ إِلَيْكَ أُكْرِمْكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ، فَلَيْسَ بِالْأَسْهَلِ الْأَفْصَحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنَ اللُّغَاتِ الْأَفْصَحِ الْأَعْرَفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ دُونَ الْأَنْكَرِ الْأَجْهَلِ مِنْ مَنْطِقِهَا هَذَا مَعَ بُعْدِ وَجْهِهِ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي التَّأْوِيلِ.

قَوْلِهِ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْعَرَبَ، قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: الْزَمُوا أَيُّهَا الْعَرَبُ طَاعَتِي، وَتَوَجَّهُوا إِلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا، لِتَنْقَطِعَ حُجَّةُ الْيَهُودِ عَنْكُمْ، فَلَا تَكُونُ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَتَهْتَدُوا، كَمَا ابْتَدَأْتُكُمْ بِنِعْمَتِي فَأَرْسَلْتُ فِيكُمْ رَسُولًا إِلَيْكُمْ مِنْكُمْ، وَذَلِكَ الرَّسُولُ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا}

فَإِنَّهُ يَعْنِي آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَبِقَوْلِهِ: {وَيُزَكِّيكُمْ}

وَيُطَهِّرُكُمْ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ، {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ}

وَهُوَ - الْفُرْقَانُ، يَعْنِي أَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ أَحْكَامَهُ، وَيَعْنِي بِالْحِكْمَةِ: السُّنَنَ وَالْفِقْهَ فِي الدِّينِ.

وَقَدْ بَيَّنَّا جَمِيعَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَيُعَلِّمُكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَصَصِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالْخَبَرُ عَمَّا هُوَ حَادِثٌ وَكَائِنٌ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْلَمُهَا فَعَلِمُوهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يُدْرِكُونَهُ بِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت