يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}
وَأَعْطَى مَالَهُ فِي حِينِ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ وَضَنِّهِ بِهِ وَشُحِّهِ عَلَيْهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ،" {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} "
أَيْ يُؤْتِيهِ وَهُوَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ الْعَيْشَ وَيَخْشَى الْفَقْرَ""
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَأَعْطَى الْمَالَ وَهُوَ لَهُ مُحِبٌّ حَرِيصٌ عَلَى جَمْعِهِ، شَحِيحٌ بِهِ ذَوِي قَرَابَتِهِ فَوَصَلَ بِهِ أَرْحَامَهُمْ وَإِنَّمَا قُلْتُ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {ذَوِي الْقُرْبَى}
ذَوِي قَرَابَةٍ مُؤَدِّي الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ لِلْخَبَرِ الَّذِي وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرِهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سُئِلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ الْمُقِلِّ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ الْكَاشِحِ»
وَأَمَّا الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَقَدْ بَيَّنَّا مَعَانِيَهُمَا فِيمَا مَضَى.
وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ الْمُجْتَازُ بِالرَّجُلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الضَّيْفُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمُسَافِرُ يَمُرُّ عَلَيْكَ
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُسَافِرِ ابْنُ السَّبِيلِ لِمُلَازَمَتِهِ الطَّرِيقَ، وَالطَّرِيقُ هُوَ السَّبِيلُ، فَقِيلَ لِمُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ فِي سَفَرِهِ ابْنُهُ كَمَا يُقَالُ لَطَيْرِ الْمَاءِ ابْنُ الْمَاءِ لِمُلَازَمَتِهِ إِيَّاهُ، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي أَتَتْ عَلَيْهِ الدُّهُورُ ابْنُ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَالْأَزْمِنَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
[البحر الطويل]
وَرَدْتُ اعْتِسَافًا، وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ {وَالسَّائِلِينَ}
فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: الْمُسْتَطْعِمِينَ الطَّالِبِينَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَفِي الرِّقَابِ}
فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: وَفِي فَكِّ الرِّقَابِ مِنَ الْعُبُودَةِ، وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ مِنَ الْعُبُودَةِ بِأَدَاءِ كِتَابَاتِهِمُ الَّتِي فَارَقُوا عَلَيْهَا سَادَاتِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ}
أَدَامَ الْعَمَلَ بِهَا بِحُدُودِهَا، وَبِقَوْلِهِ: {وَآتَى الزَّكَاةَ}
أَعْطَاهَا عَلَى مَا فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَهَلْ مِنْ حَقٍّ يَجِبُ فِي مَالٍ إِيتَاؤُهُ فَرْضًا غَيْرَ الزَّكَاةِ؟
قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ حُقُوقٌ تَجِبُ سِوَى الزَّكَاةِ وَاعْتَلُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالُوا: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى}
وَمَنْ سَمَّى اللَّهُ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}
عَلِمْنَا أَنَّ الْمَالَ الَّذِي وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَهُ ذَوِي الْقُرْبَى، وَمَنْ سَمَّى مَعَهُمْ غَيْرَ الزَّكَاةِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُؤْتُونَها؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَالًا وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ لِتَكْرِيرِهِ مَعْنًى مَفْهُومٍ. قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَوْلًا لَا مَعْنَى لَهُ، عَلِمْنَا أَنَّ حُكْمَ الْمَالِ الْأَوَّلِ غَيْرُ الزَّكَاةِ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْدُ غَيْرُهُ. قَالُوا: وَبَعْدُ فَقَدْ أَبَانَ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الزَّكَاةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَصَفَ إِيتَاءَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ أَتَوْهُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، فَعَرَفَ عِبَادَهُ بِوَصْفِهِ مَا وَصَفَ مِنْ أَمْرِهِمُ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَضَعُوا فِيهَا زَكَوَاتِهِمْ ثُمَّ دَلَّهُمْ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: {وَآتَى الزَّكَاةَ}
أَنَّ الْمَالَ الَّذِي آتَاهُ الْقَوْمُ هُوَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ كَانَتْ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانَ أَهْلُ سُهْمَانِهِمُ الَّذِينَ أُخْبِرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ أَنَّ الْقَوْمَ أَتَوْهُمْ أَمْوَالَهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}
فَإِنْ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ لَا يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ بَعْدَ الْمُعَاهَدَةِ، وَلَكِنْ يُوفُونَ بِهِ وَيُتِمُّونَهُ عَلَى مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ مَنْ عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ
عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}
قَالَ «فَمَنْ أَعْطَى عَهْدَ اللَّهِ ثُمَّ نَقَضَهُ فَاللَّهُ يَنْتَقِمُ مِنْهُ، وَمَنْ أَعْطَى ذِمَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ غَدَرَ بِهَا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»