فهرس الكتاب

الصفحة 3825 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}

فَقَالَ بَعْضُهُمْ:"هَذَا وَنَحْوُهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ سُلْطَانٌ يَقْهَرُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَاطُونَهُمْ بِالشَّتْمِ، وَالْأَذَى، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُجَازِي مِنْهُمْ أَنْ يُجَازِيَ بِمِثْلِ مَا أُوتِيَ إِلَيْهِ أَوْ يَصْبِرَ أَوْ يَعْفُوَ فَهُوَ أَمْثَلُ فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَعَزَّ اللَّهُ سُلْطَانَهُ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْتَهُوا فِي مَظَالِمِهِمْ إِلَى سُلْطَانِهِمْ، وَأَنْ لَا يَعْدُوَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ"

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَنْ قَاتَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَاتِلُوهُمْ كَمَا قَاتَلُوكُمْ. وَقَالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَبَعْدَ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ.

وَأَشْبَهُ التَّأْوِيلَيْنِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ الَّذِي حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، لِأَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَهَا إِنَّمَا هِيَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِجِهَادِ عَدُوِّهِمْ عَلَى صِفَةٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}

وَالْآيَاتُ بَعْدَهَا، وَقَوْلُهُ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ}

إِنَّمَا هُوَ فِي سِيَاقِ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ، وَالْجِهَادِ، وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا فَرَضَ الْقِتَالَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَعْدِ الْهِجْرَةِ فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}

مَدَنِيُّ لَا مَكِّيُّ، إِذْ كَانَ فَرَضُ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}

نَظِيرَ قَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}

وَأَنَّ مَعْنَاهُ: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فِي الْحَرَمِ فَقَاتَلَكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِالْقِتَالِ نَحْوَ اعْتِدَائِهِ عَلَيْكُمْ بِقِتَالِهِ إِيَّاكُمْ، لِأَنِّي قَدْ جَعَلْتُ الْحُرُمَاتِ قِصَاصًا، فَمَنِ اسْتَحَلَّ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حُرْمَةً فِي حَرَمِي، فَاسْتَحِلُّوا مِنْهُ مِثْلَهُ فِيهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحَرَمِ ابْتِدَاءً فِي الْحَرَمِ وَقَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً}

عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُجَازَاةِ وَإِتْبَاعُ لَفْظٍ لَفْظًا وَإِنِ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا، كَمَا قَالَ: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ}

وَقَدْ قَالَ: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا أَتْبَعَ لَفْظٌ لَفْظًا وَاخْتَلَفَ الْمَعْنَيَانِ.

وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعَدْوِ الَّذِي هُوَ شَدٌّ وَوُثُوبٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَدَا الْأَسَدُ عَلَى فَرِيسَتِهِ. فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَمَنْ عَدَا عَلَيْكُمْ: أَيْ فَمَنْ شَدَّ عَلَيْكُمْ وَوَثَبَ بِظُلْمٍ، فَاعْدُوا عَلَيْهِ أَيْ فَشُدُّوا عَلَيْهِ وَثِبُوا نَحْوَهُ قِصَاصًا لِمًا فَعَلَ بِكُمْ لَا ظُلْمًا ثُمَّ تَدْخُلُ التَّاءُ فِي «عَدَا» ، فَيُقَالُ افْتَعَلَ مَكَانَ فَعَلَ، كَمَا يُقَالُ: اقْتَرَبَ هَذَا الْأَمْرُ بِمَعْنَى قَرَبَ، وَاجْتَلَبَ كَذَا بِمَعْنَى جَلَبَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي حُرُمَاتِهِ، وَحُدُودِهِ أَنْ تَعْتَدُوا فِيهَا فَتَتَجَاوَزُوا فِيهَا مَا بَيْنَهُ وَحْدَهُ لَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَتَجَنُّبِ مَحَارِمِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت