فهرس الكتاب

الصفحة 1089 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) }

قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى مَعْنَى الصَّبْرِ، وَأَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ وَحَبْسُهَا عَنِ الشَّيْءِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: وَاذْكُرُوا إِذْ قُلْتُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَنْ نُطِيقَ حَبْسَ أَنْفُسِنَا عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ الطَّعَامُ الْوَاحِدُ هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَطْعَمَهُمُوهُ فِي تِيهِهِمْ وَهُوَ السَّلْوَى فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَفِي قَوْلِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ هُوَ الْخُبْزُ النَّقِيُّ مَعَ اللَّحْمِ، فَاسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنَ الْبَقْلِ وَالْقِثَّاءِ. وَمَا سَمَّى اللَّهُ مَعَ ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ مُوسَى.

وَكَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ مُوسَى ذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الْقَوْمُ فِي الْبَرِيَّةِ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى، فَمَلُّوا ذَلِكَ، وَذَكَرُوا عَيْشًا كَانَ لَهُمْ بِمِصْرَ، فَسَأَلُوهُ مُوسَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} ""

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّهُمْ لَمَّا قَدِمُوا الشَّأْمَ فَقَدُوا أَطْعِمَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَهَا، فَقَالُوا: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَخْرُجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}

وَكَانُوا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى، فَمَلُّوا ذَلِكَ، وَذَكَرُوا عَيْشًا كَانُوا فِيهِ بِمِصْرَ

وَقَالُوا: {يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} ""

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"كَانَ طَعَامُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ وَاحِدًا، وَشَرَابُهُمْ وَاحِدًا، كَانَ شَرَابُهُمْ عَسَلًا يَنْزِلُ لَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ الْمَنُّ، وَطَعَامُهُمْ طَيْرٌ يُقَالُ لَهُ السَّلْوَى، يَأْكُلُونَ الطَّيْرَ وَيَشْرَبُونَ الْعَسَلَ، لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ خُبْزًا وَلَا غَيْرَهُ. فَقَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا. فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} "

وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ}

وَلَمْ يَذْكُرِ الَّذِي سَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ لِيُخْرِجَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَقُولُ: قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا كَذَا وَكَذَا مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا، لِأَنَّ مِنْ تَأْتِي بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ لِمَا بَعْدَهَا، فَاكْتُفِيَ بِهَا عَنْ ذِكْرِ التَّبْعِيضِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا بِدُخُولِهَا مَعْنَى مَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ الَّذِي هِيَ فِيهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَصْبَحَ الْيَوْمَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنَ الطَّعَامِ يُرِيدُ شَيْئًا مِنْهُ.

وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: (مِنْ) هَهُنَا بِمَعْنَى الْإِلْغَاءِ وَالْإِسْقَاطِ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: يُخْرِجْ لَنَا مَا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا. وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ: مَا رَأَيْتُ مِنْ أَحَدٍ، بِمَعْنَى: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا، وَبُقُولِ اللَّهِ: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ}

وَبِقَوْلِهِمْ: قَدْ كَانَ مِنْ حَدِيثٍ، فَخَلِّ عَنِّي حَتَّى أَذْهَبَ، يُرِيدُونَ: قَدْ كَانَ حَدِيثٌ. وَقَدْ أَنْكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ جَمَاعَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ بِمَعْنَى الْإِلْغَاءِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَادَّعَوْا أَنَّ دُخُولَهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَخَلَتْ فِيهِ مُؤْذِنٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَرِيدٌ لِبَعْضِ مَا أُدْخِلَتْ فِيهِ لَا جَمِيعِهِ، وَأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي مَوْضِعٍ إِلَّا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ.

فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَمْرِ مَنْ ذَكَرْنَا: فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا بَعْضَ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا.

وَالْبَقْلُ وَالْقِثَّاءُ وَالْعَدَسُ وَالْبَصَلُ، هُوَ مَا قَدْ عَرَفَهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَحَبِّهَا.

وَأَمَّا الْفُومُ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْحِنْطَةُ وَالْخُبْزُ

وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الثَّوْمُ

وعَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ:"الْفُومُ: الثَّوْمُ «وَهُوَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ» وَثُومِهَا"

وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْحِنْطَةِ وَالْخُبْزِ جَمِيعًا فُومًا مِنَ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ، حُكِيَ سَمَاعًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ: فُومُوا لَنَا، بِمَعْنَى اخْتَبِزُوا لَنَا؛ وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «وَثُومِهَا» بِالثَّاءِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فَإِنَّهُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُبْدَلَةِ، كَقَوْلِهِمْ: وَقَعُوا فِي عَاثُورِ شَرٍّ وَعَافُورِ شَرٍّ، وَكَقَوْلِهِمْ لِلْأَثَافِي أَثَاثِي، وَلِلْمَغَافِيرِ مَغَاثِيرُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تُقْلَبُ الثَّاءُ فَاءً وَالْفَاءُ ثَاءً لِتَقَارُبِ مَخْرَجِ الْفَاءِ مِنْ مَخْرَجِ الثَّاءِ. وَالْمَغَافِيرُ شَبِيهٌ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ يُشَبَّهُ بِالْعَسَلِ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ حُلْوًا يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ وَنَحْوِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت