فهرس الكتاب

الصفحة 1983 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}

وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا}

خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ عَنِ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ بِجَوَابٍ لِقَوْلِهِ: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ}

بَلْ هُوَ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ وَلِذَلِكَ رُفِعَ، فَقِيلَ: فَيَتَعَلَّمُونَ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ. فَيَأْبَوْنَ قَبُولَ ذَلِكَ مِنْهُمَا فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {فَيَتَعَلَّمُونَ}

خَبَرٌ عَنِ الْيَهُودِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}

{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}

وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ. وَالَّذِي قُلْنَا أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ إِلْحَاقَ ذَلِكَ بِالَّذِي يَلِيهِ مِنَ الْكَلَامِ مَا كَانَ لِلتَّأْوِيلِ وَجْهٌ صَحِيحٌ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِمَا قَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنْ مُعْتَرِضِ الْكَلَامِ.

وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْأَلِفُ مِنْ قَوْلِهِ: {مِنْهُمَا} مِنْ ذِكْرِ الْمَلَكَيْنِ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ: فَيَتَعَلَّمُ النَّاسُ مِنَ الْمَلَكَيْنِ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.

وَ (مَا) الَّتِي مَعَ يُفَرِّقُونَ بِمَعْنَى (الَّذِي) .

وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ: السِّحْرُ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ،

وَقِيلَ: هُوَ مَعْنًى غَيْرُ السِّحْرِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.

وَأَمَّا الْمَرْءُ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى رَجُلٍ مِنْ أَسْمَاءِ بَنِي آدَمَ، وَالْأُنْثَى مِنْهُ الْمَرْأَةُ؛ يُوَحَّدَ وَيُثَنَّى، وَلَا تُجْمَعُ ثَلَاثَتُهُ عَلَى صُورَتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: هَذَا امْرُؤٌ صَالِحٌ، وَهَذَانِ امْرَآنِ صَالِحَانِ، وَلَا يُقَالُ: هَؤُلَاءِ امْرُؤُ صِدْقٍ، وَلَكِنْ يُقَالُ: هَؤُلَاءِ رِجَالُ صِدْقٍ، وَقَوْمُ صِدْقٍ. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُوَحَّدُ وَتَثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ عَلَى صُورَتِهَا، يُقَالُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ وَهَاتَانِ امْرَأَتَانِ، وَلَا يُقَالُ: هَؤُلَاءِ امْرَآتٌ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ نِسْوَةٌ.

وَأَمَّا الزَّوْجُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يَقُولُونَ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: هِيَ زَوْجُهُ، بِمَنْزِلَةِ الزَّوْجِ الذَّكَرِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}

وَتَمِيمٌ وَكَثِيرٌ مِنْ قَيْسٍ وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: هِيَ زَوْجَتُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الطويل]

وَإِنَّ الَّذِي يَمْشِي يُحَرِّشُ زَوْجَتِي ... كَمَاشٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يُفَرِّقُ السَّاحِرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ؟

قِيلَ: قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى السِّحْرِ تَخْيِيلُ الشَّيْءِ إِلَى الْمَرْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي عَيْنِهِ وَحَقِيقَتُهُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ.

فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا بِالَّذِي اسْتَشْهَدْنَا عَلَيْهِ، فَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ تَخْيِيلُهُ بِسِحْرِهِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَخْصَ الْآخَرِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي حَقِيقَتِهِ مِنْ حُسْنٍ وَجَمَالٍ حَتَّى يُقَبِّحَهُ عِنْدَهُ فَيَنْصَرِفَ بِوَجْهِهِ وَيُعْرِضَ عَنْهُ، حَتَّى يُحْدِثَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ فِرَاقًا، فَيَكُونُ السَّاحِرُ مُفَرِّقًا بَيْنَهُمَا بِإِحْدَاثِهِ السَّبَبَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فُرْقَةُ مَا بَيْنَهُمَا.

وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تُضِيفُ الشَّيْءَ إِلَى مُسَبِّبِهِ مِنْ أَجْلِ تَسَبُّبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاشَرَ فِعْلَ مَا حَدَثَ عَنِ السَّبَبِ.

فَكَذَلِكَ تَفْرِيقُ السَّاحِرِ بِسِحْرِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.

وَأَمَّا الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَكُونَ الْمَلَكَانِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا}

إِلَى «فَيَتَعَلَّمُونَ» مَكَانَ مَا عَلَّمَاهُمْ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَيْتَ لَنَا كَذَا مِنْ كَذَا، أَيْ مَكَانَ كَذَا. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الطويل]

جَمَعْتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَطْبًا وَعُلْبَةً ... وَصَرًّا لِأَخْلَافِ الْمُزَمَّمَةِ الْبُزْلِ

وَمِنْ كُلِّ أَخْلَاقِ الْكِرَامِ نَمِيمَةً ... وَسَعْيًا عَلَى الْجَارِ الْمُجَاوِرِ بِالنَّجْلِ

يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: «جَمَعْتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ» مَكَانَ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا هَذِهِ الْأَخْلَاقَ الرَّدِيئَةَ وَالْأَفْعَالَ الدَّنِيئَةَ.

وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:

[البحر الكامل]

صَلَدَتْ صَفَاتُكَ أَنْ تَلِينَ حُيُودُهَا ... وَوَرِثْتَ مِنْ سَلَفِ الْكِرَامِ عُقُوقَا

يَعْنِي وَرِثْتَ مَكَانَ سَلَفِ الْكِرَامِ عُقُوقًا مِنْ وَالِدَيْكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت