وقد سلكت فيه الطريقة التالية أذكرها بإيجاز:
1 -أولا: حذف الأسانيد المطولة، والاقتصار على ذكر راوي الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم -.
2 -ثانيا: ذكر أشهر الصحابة - رضي الله عنهم - عند التفسير بالمأثور، كذكر ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ رضوان الله عليهم أجمعين.
3 -ثالثًا: الاكتفاء بذكر مشاهير التابعين، في الروايات.
4 -رابعا: تفنيد الروايات الإسرائيلية والرد عليها ردا مفصلا، لبيان عورها ووهنها، خصوصا ما يتعلق بعصمة المصطفَين الأخيار من أنبياء الله ورسله، وقد أضربنا صفحا عن ذكر بعض تلك الروايات الواهية، والأساطير الفاسدة - أحيانا - واكتفينا بالإشارة إليها والرد عليها.
كالمذكور في وصف سفينة نوح - عليه السلام - وما فيه من مبالغات، والحجر الذي ضربه سيدنا موسى - عليه السلام - وما جاء في هيئته، والقصص المذكورة في مجيء التابوت، والاختلاف في معنى السكينة، وكلاهما في قوله تعالى {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... (248) }
وما ذكر في شأن هابيل وقابيل، وأكثر هذه الروايات لا يتعلق بها كثير فائدة، ولا يخفى ما فيها من بُعدٍ ومبالغات، ولا تخلو من مقال، وهي إلى الأساطير أقرب، وهي في جملتها يردها العقل، ولا يؤيدها النقل، والله أعلم.
والعجبُ من ابن جرير - رحمه الله - مع علمه وفضله كيف يُورد هذه الأشياءَ حاكيًا لها، دون أن يُعَقِّبْها بنكيرٍ.
يقول الدكتور/ محمد حسين الذهبي في موقف الإمام الطبري من الأسانيد:
ثم إن ابن جرير وإن التزم في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، لأنه كان يرى - كما هو مقرر في أصول الحديث - أن من أسند لك فقد حملك البحث عن رجال السند ومعرفة مبلغهم من العدالة أو الجرح، فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانا موقف الناقد البصير، فيعدل من يعدل من رجال الإسناد، ويجرح من يجرح منهم، ويرد الرواية التي لا يثق بصحتها، ويصرح برأيه فيها بما يناسبها. اهـ.
أقول: قد نسلم بهذه القاعدة فيما هو محتمل، لكن ما قام الدليل على فساده وبطلانه فلا يسعنا إلا رده وبيان عواره، خصوصا ما ورد في حق أنبياء الله ورسله - صلى الله عليهم وسلم وكرَّم وبجل - وكان الأحرى بابن جرير - رحمه الله - أن يحتاط لهذا الأمر، لكننا - بكل أسف - وجدناه في بعض المواضع يرجح تلك الروايات الفاسدة، كالتي تنسب الشك في قدرة الله إلى خليل الرحمن - عليه السلام - عند قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ...(260) .
وهذا من أفسدِ الأقوالِ وأنْكَرِها.
والدفاع عن هؤلاء الصفوة المختارة من خيرة خلق الله تعالى - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - أحب إلينا من ابن جرير ومن كل علماء الدنيا، ومن أنفسنا والناس أجمعين، وبه نتقرب إلى الله تعالى جده، وتعاظم مجده.
وفي آيات العتاب للأنبياء يجب أن تحمل على أعلى الوجوه أورفعها وأكملها وأسناها، فالأنبياء - عليهم السلام - لا يقال عنهم: زلوا، ولكن يقال: فعلو الحسن وتركوا الأحسن، فعوتبوا على ترك الأحسن، وهذا رأي فقهاء سمرقند، خلافا لفقهاء بخارى. كما ذكره النسفي - رحمه الله - في تفسيره.
وهذه من القواعد التي فصلتها - فارجع إليها إن شئت - في مقدمة كتابي (الحَاوِي فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ الْكَرِيمِ) والذي بلغ الآن - بحمد الله وتوفيقه - في نسخته الأخيرة (ألف مجلد) ، والفقير معترف بقلة بضاعته، وعدم أهليته، وما أنا إلا مغترف من بحر غيري.