فهرس الكتاب

الصفحة 2841 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ(154)}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبِرِ عَلَى طَاعَتِي فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ وَتَرْكِ مَعَاصِي وَأَدَاءِ سَائِرِ فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ، وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُوَ مَيِّتٌ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ مِنْ خَلْقِي مَنْ سَلَبْتُهُ حَيَاتَهُ وَأَعْدَمْتُهُ حَوَاسَّهُ، فَلَا يَلْتَذُّ لَذَّةً وَلَا يُدْرِكُ نَعِيمًا؛ فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ وَمِنْ سَائِرِ خَلْقِي فِي سَبِيلِي أَحْيَاءٌ عِنْدِي فِي حَيَاةٍ وَنُعَيْمٍ وَعَيْشٍ هَنِيٍّ وَرُزِقٍ سَنِيٍّ، فَرِحِينَ بِمَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي وَحَبَوْتُهُمْ بِهِ مِنْ كَرَامَتِي.

عَنْ قَتَادَةَ"كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ تَعَارَفَ فِي طَيْرِ بِيضٍ يَأْكُلْنَ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ مَسَاكِنَهُمْ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَأَنَّ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْهُمْ صَارَ حَيًّا مَرْزُوقًا، وَمَنْ غُلِبَ آتَاهُ اللَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا، وَمَنْ مَاتَ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا"

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}

مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْخَبَرِ عَنِ الْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَعُمَّ بِهِ غَيْرَهُ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ تَظَاهُرَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ وَصَفَ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ، فَأَخْبَرَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ يُفْتَحُ لَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَبْوَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ يَشُمُّونَ مِنْهَا رُوحَهَا، وَيَسْتَعْجِلُونَ اللَّهَ قِيَامَ السَّاعَةِ لِيَصْيرُوا إِلَى مَسَاكِنِهِمْ مِنْهَا وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهَالِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فِيهَا، وَعَنِ الْكَافِرِينَ أَنَّهُمْ يُفْتَحُ لَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَبْوَابٌ إِلَى النَّارِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَيُصِيبُهُمْ مِنْ نَتْنِهَا وَمَكْرُوهِهَا، وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ مَنْ يَقْمَعُهُمْ فِيهَا وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ فِيهَا تَأْخِيرَ قِيَامِ السَّاعَةِ حِذَارًا مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِيهَا مَعَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ.

وَإِذَا كَانَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ مُتَظَاهِرَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا الَّذِي خُصَّ بِهِ الْقَتِيلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا لَمْ يَعُمَّ بِهِ سَائِرَ الْبَشَرِ غَيْرَهُ مِنَ الْحَيَاةِ وَسَائِرَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ غَيْرَهُ أَحْيَاءٌ فِي الْبَرْزَخِ، أَمَا الْكُفَّارُ فَمُعَذَّبُونَ فِيهِ بِالْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَمُنَعَّمُونَ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَنَسِيمِ الْجِنَانِ؟

قِيلَ: إِنَّ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الشُّهَدَاءَ فِي ذَلِكَ وَأَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخَبَرِهِ عَنْهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِعْلَامَهُ إِيَّاهُمْ أَنَّهُمْ مَرْزُوقُونَ مِنْ مَآكِلِ الْجَنَّةِ وَمَطَاعِمِهَا فِي بَرْزَخِهِمْ قَبْلَ بَعْثِهِمْ، وَمُنَعَّمُونَ بِالَّذِي يَنْعَمُ بِهِ دَاخِلُوها بَعْدِ الْبَعْثِ مِنْ سَائِرِ الْبَشَرِ مِنْ لَذِيذِ مَطَاعِمِهَا الَّذِي لَمْ يُطْعِمْهَا اللَّهُ أَحَدًا غَيْرَهُمْ فِي بَرْزَخِهِ قَبْلَ بَعْثِهِ. فَذَلِكَ هُوَ الْفَضِيلَةُ الَّتِي فَضَلَّهُمْ بِهَا وَخَصَّهُمْ بِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَالْفَائِدَةُ الَّتِي أَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}

وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقٍ - نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ - فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ» .

وَقَالَ عَبْدَةُ: «فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا»

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الْخَبَرَ عَمَّا ذَكَرْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخَبَرِهِ عَنِ الشُّهَدَاءِ مِنَ النِّعْمَةِ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا فِي الْبَرْزَخِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}

وَإِنَّمَا فِيهِ الْخَبَرُ عَنْ حَالِهِمْ أَمْوَاتٌ هُمْ أَمْ أَحْيَاءٌ.

قِيلَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِذِكْرِ الْخَبَرِ عَنْ حَيَاتِهِمْ إِنَّمَا هُوَ الْخَبَرُ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمَّا كَانَ قَدْ أَنْبَأَ عِبَادَهُ عَمَّا قَدْ خَصَّ بِهِ الشُّهَدَاءَ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}

وَعَلِمُوا حَالَهُمْ بِخَبَرِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}

نَهَى خَلْقَهُ عَنْ أَنْ يَقُولُوا لِلشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ مَوْتَى، تَرْكُ إِعَادَةِ ذِكْرِ مَا قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ خَبَرِهِمْ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}

فَإِنَّهُ يُعْنَى بِهِ: وَلَكِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُمْ فَتَعْلَمُوا أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ، وَإِنَّمَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِخَبَرِي إِيَّاكُمْ بِهِ.

وَإِنَّمَا رَفَعَ قَوْلَهُ: «أَمْوَاتٌ» بِإِضْمَارِ مَكْنِيٍّ عَنْ أَسْمَاءِ مَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُمْ أَمْوَاتٌ. وَلَا يَجُوزُ النَّصْبَ فِي الْأَمْوَاتِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَعْمَلُ فِيهِمْ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «بَلْ أَحْيَاءٌ» رُفِعَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت