فهرس الكتاب

الصفحة 4257 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا رَفَثَ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الرَّفَثِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْإِفْحَاشُ لِلْمَرْأَةِ فِي الْكَلَامِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولُ: إِذَا حَلَلْنَا فَعَلْتُ بِكِ كَذَا وَكَذَا لَا يُكَنِّي عَنْهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: الرَّفَثُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْجِمَاعُ نَفْسُهُ.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"الرَّفَثُ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي عَمَّا شَاءَ"

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَى مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَنِ الرَّفَثِ، فَقَالَ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ}

وَالرَّفَثُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: أَصْلُهُ الْإِفْحَاشُ فِي الْمِنْطَقِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى، ثُمَّ تَسْتَعْمِلُهُ فِي الْكِنَايَةِ عَنِ الْجِمَاعِ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ مُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَفِي هَذَا النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ مَعَانِي الرَّفَثِ أَمْ عَنْ جَمِيعِ مَعَانِيهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ، إِذْ لَمْ يَأْتِ خَبَرٌ بِخُصُوصِ الرَّفَثِ الَّذِي هُوَ بِالْمَنْطَقِ عِنْدَ النِّسَاءَ مِنْ سَائِرِ مَعَانِي الرَّفَثَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، إِذْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ نَقْلُ حُكْمِ ظَاهِرِ آيَةٍ إِلَى تَأْوِيلٍ بَاطِنٍ إِلَّا بِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ حُكْمَهَا مِنْ عُمُومِ ظَاهِرِهَا إِلَى الْبَاطِنِ مِنْ تَأْوِيلِهَا مَنْقُولٌ بِإِجْمَاعٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الرَّفَثَ عِنْدَ غَيْرِ النِّسَاءِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَى مُحْرِمٍ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ مَعْنِيُّ بِهَا بَعْضَ الرَّفَثِ دُونَ بَعْضٍ.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ لَا يَحْرُمَ مِنْ مَعَانِي الرَّفَثِ عَلَى الْمُحْرِمِ شَيْءُ إِلَّا مَا أَجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ، أَوْ قَامَتْ بِتَحْرِيمِهِ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا. قِيلَ: إِنَّ مَا خُصَّ مِنَ الْآيَةِ فَأُبِيحَ خَارِجٌ مِنَ التَّحْرِيمِ، وَالْحَظَرُ ثَابِتٌ لِجَمِيعِ مَا لَمْ تُخَصِّصْهُ الْحُجَّةُ مِنْ مَعْنَى الرَّفَثِ بِالْآيَةِ، كَالَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ لَوْ لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ مَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ وَأُخْرِجَ مِنْ عُمُومِهِ إِنَّمَا لَزِمَنَا إِخْرَاجُ حُكْمِهِ مِنَ الْحَظَرِ بِأَمْرِ مَنْ لَا يَجُوزُ خِلَافُ أَمْرِهِ، فَكَانَ حُكْمُ مَا شَمَلَهُ مَعْنَى الْآيَةِ بَعْدَ الَّذِي خُصَّ مِنْهَا عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ يَلْزَمُ الْعِبَادَ فَرْضُهُ بِهَا لَوْ لَمْ يُخَصَّصْ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيمَا لَمْ يُخَصَّصْ مِنْهَا بَعْدَ الَّذِي خُصَّ مِنْهَا نَظِيرُ الْعِلَّةِ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُخَصَّ مِنْهَا شَيْءٌ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا فُسُوقَ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْفُسُوقِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْمَعَاصِي كُلُّهَا

عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:"الْفُسُوقُ: مَعْصِيَةُ اللَّهِ، لَا صَغِيرَ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ"

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْفُسُوقُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا عَصَى اللَّهَ بِهِ فِي الْإِحْرَامِ مِمَّا نَهَى عَنْهُ فِيهِ مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ، وَأَخْذِ شَعْرً، وَقَلْمِ ظُفْرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ الْإِحْرَامَ، وَأَمَرَ بِالتَّجَنُّبِ مِنْهُ فِي خِلَالِ الْإِحْرَامِ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْفُسُوقُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: السِّبَابُ

وَقَالَ آخَرُونَ: الْفُسُوقُ: الذَّبْحُ لِلْأَصْنَامِ

وَقَالَ آخَرُونَ:"الْفُسُوقُ: التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ."

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَا فُسُوقَ}

النَّهْي عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي إِصَابَةِ الصَّيْدِ وَفِعْلِ مَا نَهَى اللَّهُ الْمُحْرِمَ عَنْ فِعْلِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ}

يَعْنِي بِذَلِكَ فَلَا يَرْفُثُ، وَلَا يَفْسُقُ: أَيْ لَا يَفْعَلُ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ فِعْلِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي إِحْرَامِهِ.

وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ حَرَّمَ مَعَاصِيَهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، مُحْرِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَكَذَلِكَ حَرَّمَ التَّنَابُزَ بِالْأَلْقَابِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}

وَحَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ سِبَابَ أَخِيهِ فِي كُلِّ حَالٍ فَرَضَ الْحَجَّ، أَوْ لَمْ يَفْرِضْهُ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِيَ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ الْعَبْدَ مِنَ الْفُسُوقِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ وَفَرْضِهِ الْحَجَّ هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ فُسُوقًا فِي حَالِ إِحْلَالِهِ وَقَبْلَ إِحْرَامِهِ بِحُجَّةٍ؛ كَمَا أَنَّ الرَّفَثَ الَّذِي نَهَاهُ عَنْهُ فِي حَالِ فَرْضِهِ الْحَجَّ، هُوَ الَّذِي كَانَ لَهُ مُطْلَقًا قَبْلَ إِحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِأَنْ يُقَالَ فِيمَا قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ: لَا يَفْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فِي كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ خُصُوصَ حَالِ الْإِحْرَامِ بِهِ لَا وَجْهَ لَهُ وَقَدْ عَمَّ بِهِ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ مِنَ الْإِحْلَالِ وَالْإِحْرَامِ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِيَ نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ مِنَ الْفُسُوقِ فَخُصَّ بِهِ حَالَ إِحْرَامِهِ، وَقِيلَ لَهُ: «إِذَا فَرَضْتَ الْحَجَّ فَلَا تَفْعَلْهُ» هُوَ الَّذِي كَانَ لَهُ مُطْلَقًا قَبْلَ حَالِ فَرْضِهِ الْحَجَّ، وَذَلِكَ هُوَ مَا وَصَفْنَا وَذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ بِالنَّهْيِ عَنْهُ الْمُحْرِمَ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ مِنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَالْحَلْقِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَسَائِرِ مَا خَصَّ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ الْمُحْرِمَ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ.

فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: فَمَنْ فَرَضَ الْحَجَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَأَحْرَمَ فِيهِنَّ، فَلَا يَرْفُثْ عِنْدَ النِّسَاءِ فَيُصَرِّحُ لَهُنَّ بِجِمَاعِهَّنَ، وَلَا يُجَامِعُهُنَّ، وَلَا يَفْسُقُ بِإِتْيَانِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجِّهِ، مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ، وَأَخْذِ شَعْرٍ، وَقَلْمِ ظُفْرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت