اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهَا: فَمَنْ حَضَرَ مَرِيضًا وَهُوَ يُوصِي عِنْدَ إِشْرَافِهِ عَلَى الْمَوْتِ، فَخَافَ أَنْ يُخْطِئَ فِي وَصِيَّتِهِ فَيَفْعَلُ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ أنْ يَعْمِدَ جَوْرًا فِيهَا فَيَأْمُرَ بِمَا لَيْسَ لَهُ الْأَمْرُ بِهِ، فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَتِهِ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَدْلِ فِي وَصِيَّتِهِ، وَأَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ مَنْعِهِ مِمَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ وَأَبَاحَهُ لَهُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَنْ خَافَ مِنْ أَوْصِيَاءِ مَيِّتٍ أَوْ وَالِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُوصِ جَنَفًا فِي وَصِيَّتِهِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ، فَأَصْلَحَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصِي لَهُمْ بِمَا أَوْصَى لَهُمْ بِهِ، فَرَدَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْحَقِّ؛ فَلَا حَرَجَ وَلَا إِثْمَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصِ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا}
فِي عَطِيَّتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ بَعْضُ وَرَثَتِهِ دُونَ بَعْضٍ، فَلَا إِثْمَ عَلَى مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، يَعْنِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصِ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فِي وَصِيَّتِهِ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ بِمَا يَرْجِعُ نَفْعُهُ عَلَى مَنْ يَرِثُهُ فَأَصْلَحَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصِ لِآبَائِهِ وَأَقْرِبَائِهِ جَنَفًا عَلَى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَأَصْلَحَ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَقْرِبَاءِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصِ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}
قَالَ"الْجَنَفُ: أَنْ يَحِيفَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالْإِثْمُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَثِمَ فِي أَبَوَيْهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمُ الْمُوصَى إِلَيْهِ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الِابْنُ، وَالْبَنُونَ هُمُ الْأَقْرَبُونَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، فَهَذَا الْمُوصَى الَّذِي أُوصِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَجُعِلَ إِلَيْهِ فَرَأَى هَذَا قَدِ أَجْنَفَ لِهَذَا عَلَى هَذَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، فَعَجَزَ الْمُوصَى أَنْ يُوصِيَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَجَزَ الْمُوصَى إِلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَ فَانْتَزَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَفَرَضَ الْفَرَائِضَ"