فهرس الكتاب

الصفحة 5695 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) }

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَإِذَا طَلَّقْتُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ نِسَاءَكُمْ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يَعْنِي مِيقَاتَهُنَّ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُنَّ مِنَ انْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْأَقْرَاءِ وَانْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ، إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الشُّهُورِ {فَأَمْسِكُوهُنَّ}

يَقُولُ: فَرَاجِعُوهُنَّ إِنْ أَرَدْتُمْ رَجْعَتَهُنَّ فِي الطَّلْقَةِ الَّتِي فِيهَا رَجْعَةٌ، وَذَلِكَ إِمَّا فِي التَّطْلِيقَةِ الْوَاحِدَةِ، أَوِ التَّطْلِيقَتَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بِمَعْرُوفٍ}

فَإِنَّهُ عَنَى بِمَا أَذِنَ بِهِ مِنَ الرَّجْعَةِ مِنَ الْإِشْهَادِ عَلَى الرَّجْعَةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ دُونَ الرَّجْعَةِ بِالْوَطْءِ، وَالْجِمَاعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، وَعَلَى الصُّحْبَةِ مَعَ ذَلِكَ وَالْعِشْرَةِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَبَيَّنَّهُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}

يَقُولُ: أَوْ خَلُّوهُنَّ يَقْضِينَ تَمَامَ عِدَّتِهِنَّ وَيَنْقَضِي بَقِيَّةُ أَجَلِهِنَّ الَّذِي أَجَّلْتُهُ لَهُنَّ لِعِدَدِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ، يَقُولُ: بِإِيفَائِهِنَّ تَمَامَ حُقُوقِهِنَّ عَلَيْكُمْ عَلَى مَا أَلْزَمْتُكُمْ لَهُنَّ مِنْ مَهْرٍ وَمُتْعَةٍ وَنَفَقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِنَّ قَبْلَكُمْ {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}

يَقُولُ: وَلَا تُرَاجِعُوهُنَّ إِنْ رَاجَعْتُمُوهُنَّ فِي عِدَدِهِنَّ مُضَارَّةً لَهُنَّ لِتُطَوِّلُوا عَلَيْهِنَّ مُدَّةَ انْقِضَاءِ عَدَدِهِنَّ، أَوْ لِتَأْخُذُوا مِنْهُنَّ بَعْضَ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ بِطَلَبِهِنَّ الْخُلْعَ مِنْكُمْ لِمُضَارَّتِكُمْ إِيَّاهُنَّ بِإِمْسَاكِكُمْ إِيَّاهُنَّ، وَمُرَاجَعَتِكُمُوهُنَّ ضِرَارًا وَاعْتِدَاءً.

وَقَوْلُهُ: {لِتَعْتَدُوا}

يَقُولُ: لِتَظْلِمُوهُنَّ بِمُجَاوَزَتِكُمْ فِي أَمْرِهِنَّ حُدُودِي الَّتِي بَيَّنْتُهَا لَكُمْ.

عَنْ مَسْرُوقٍ:" {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} "

قَالَ: يُطَلِّقَهَا حَتَّى إِذَا كَادَتْ تَنْقَضِي رَاجَعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا، فَيَدَعُهَا، حَتَّى إِذَا كَادَتْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا رَاجَعَهَا، وَلَا يُرِيدُ إِمْسَاكَهَا، فَذَلِكَ الَّذِي يُضَارُّ وَيُتَّخَذُ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا""

وعَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ:" {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} "

قَالَ: هُوَ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ رَاجَعَهَا يُضَارُّهَا بِذَلِكَ، وَيُطَوِّلُ عَلَيْهَا؛ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ""

وَأَصْلُ التَّسْرِيحِ مِنْ سَرَّحَ الْقَوْمَ، وَهُوَ مَا أُطْلِقَ مِنْ نَعَمِهِمْ لِلرَّعْيِ، يُقَالُ لِلْمَوَاشِي الْمُرْسَلَةِ لِلرَّعْيِ: هَذَا سَرَّحَ الْقَوْمُ، يُرَادُ بِهِ مَوَاشِيَهُمُ الْمُرْسَلَةَ لِلرَّعْيِ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ حِينَ تَسْرَحُونَ: حِينَ تُرْسِلُونَهَا لِلرَّعْيِ فَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا خَلَّاهَا زَوْجُهَا فَأَبَانَهَا مِنْهُ: سَرَّحَهَا، تَمْثِيلًا لِذَلِكَ بِتَسْرِيحِ الْمُسَرِّحِ مَاشِيَتَهُ لِلرَّعْيِ وَتَشْبِيهًا بِهِ""

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَمَنْ يُرَاجِعِ امْرَأَتَهُ بَعْدَ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا فِي الطَّلَاقِ الَّذِي لَهُ فِيهِ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ ضِرَارًا بِهَا لِيَتَعَدَّى حَدَّ اللَّهِ فِي أَمْرِهَا، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يَعْنِي فَأَكْسَبَهَا بِذَلِكَ إِثْمًا، وَأَوْجَبَ لَهَا مِنَ اللَّهِ عُقُوبَةً بِذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْمِ فِيمَا مَضَى، وَأَنَّهُ وَضَعَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَفَعَلَ مَا لَيْسَ لِلْفَاعِلِ فِعْلُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت