فهرس الكتاب

الصفحة 3645 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ: ضَوْءُ النَّهَارِ. وَبِقَوْلِهِ: الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ: سَوَّادُ اللَّيْلِ.

فَتَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ: وَكُلُوا بِاللَّيْلِ فِي شَهْرِ صَوْمِكُمْ، وَاشْرَبُوا، وَبَاشِرُوا نِسَاءَكُمْ. مُبْتَغِينَ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْوَلَدِ، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى أَنْ يَقَعَ لَكُمْ ضَوْءُ النَّهَارِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ.

عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ"أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَنِي الْإِسْلَامَ، وَنَعَتَ لِي الصَّلَوَاتِ، كَيْفَ أُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَكُلْ، وَاشْرَبْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَتِمَّ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ» وَلَمْ أَدْرِ مَا هُوَ، فَفَعَلْتُ خَيْطَيْنِ مِنْ أَبْيَضٍ وَأَسْوَدَ، فَنَظَرْتُ فِيهِمَا عِنْدَ الْفَجْرِ، فَرَأَيْتُهُمَا سَوَاءً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ شَيْءٍ أَوْصَيْتَنِي قَدْ حَفِظْتُ غَيْرَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: «وَمَا مَنَعَكَ يَا ابْنَ حَاتِمٍ؟» وَتَبَسَّمَ كَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا فَعَلْتُ. قُلْتُ: فَتَلْتُ خَيْطَيْنِ مِنْ أَبْيَضَ، وَأَسْوَدَ فَنَظَرْتُ فِيهِمَا مِنَ اللَّيْلِ فَوَجَدْتُهُمَا سَوَاءً. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رُئِيَ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ:"أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: مِنَ الْفَجْرِ؟ إِنَّمَا هُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ""

وَقَالَ مُتَأَوِّلُو قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}

أَنَّهُ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ، صِفَةُ ذَلِكَ الْبَيَاضِ أَنْ يَكُونُ مُنْتَشِرًا مُسْتَفِيضًا فِي السَّمَاءِ يَمْلَأُ بَيَاضُهُ، وَضَوْءُهُ الطُّرُقَ، فَأَمَّا الضَّوْءُ السَّاطِعُ فِي السَّمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} .

وَقَالَ آخَرُونَ: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ: هُوَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، وَالْخَيْطُ الْأَسْوَدُ: هُوَ سَوَّادُ اللَّيْلِ.

وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ، التَّأْوِيلُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ"الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ: بَيَاضُ النَّهَارِ، وَالْخَيْطُ الْأَسْوَدُ سَوَّادُ اللَّيْلِ"وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، قَالَ أَبُو دُؤَادٍ الْإِيَادِيُّ:

[البحر المتقارب]

فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سُدْفَةٌ ... وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا

وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ شَرِبَ أَوْ تَسَحَّرَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ دَافِعٍ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكِرٍ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، إِذْ كَانَتِ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الْفَجْرِ هِيَ عَلَى عَهْدِهِ كَانَتْ تُصَلَّى بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَيَتَبَيَّنُ طُلُوعُهُ وَيُؤَذَّنُ لَهَا قَبْلَ طُلُوعِهِ.

وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَسَحَّرُ وَأَنَا أَرَى مَوَاقِعَ النَّبْلِ، فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَثْبَتَ فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَبْعَدَ الصُّبْحِ؟ فَلَمْ يُجِبْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: هُوَ الصُّبْحُ. وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ هُوَ الصُّبْحُ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بِعَيْنِهِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: «هَذَا فُلَانٌ شَبَهًا» ، وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى غَيْرِ الَّذِي سَمَّتْهُ، فَتَقُولُ: «هُوَ هُوَ» تَشْبِيهًا مِنْهَا لَهُ بِهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ حُذَيْفَةَ: هُوَ الصُّبْحُ، مَعْنَاهُ: هُوَ الصُّبْحُ شَبَهًا بِهِ وَقُرْبًا مِنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي مَعْنَى الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ"الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ يَكْشِفُ اللَّيْلَ، وَالْأَسْوَدُ: مَا فَوْقَهُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت