(فصل: في اقتباسات من روائع كتاب"تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء"لابن خمير)
قال ابن خمير - في المقدمة - ما نصه:
أما بعد فإنني قد استخرت الله تَعَالَى فِي إملاء شرح بعض آيَات رغب فِي إملائها بعض الطّلبَة المحتاطين على الدّين غيرَة مِنْهُم على أَعْرَاض النَّبِيين، لِأَن لَاحَ فِي ضمنهَا بعض عتاب لَهُم فِي بعض فقرات لَا تغض من أقدارهم، وَلَا تنقص من كمالهم، وَلَا تقدح فِي عصمتهم وكريم أَحْوَالهم بِمَا من الله بِهِ من فَضله على من يَشَاء من عباده، وَذَلِكَ لما سلط الله على سَادَات الْمُرْسلين من غثاء الْفرق المضلين من أوباش المعطلة الضَّالّين، وأراذل الْيَهُود وَالنَّصَارَى، ومقلدة المؤرخين وَالْقصاص المجازفين الْجَاهِلين بِحَقِيقَة النُّبُوَّة، وَمَا يجوز على أَنْبيَاء الله تَعَالَى، وَمَا يَسْتَحِيل، وَمَا يجب على الكافة من تعزيرهم وتوقيرهم، وتدقيق النّظر فِي اسْتِخْرَاج مناقبهم على أتم الْكَمَال وأعمه، فتراهم يتركون مَا أوجب الله عَلَيْهِم من التفقة فِي آي الْقُرْآن من تَوْحِيد بارئهم، وتنزيهه عَن النقائص، وَوَصفه تَعَالَى بِمَا يجب لَهُ من صِفَات الْكَمَال والجلال، وَوصف أنبيائه بِالصّدقِ والعصمة والتنزيه من الْخَطَأ والخطل، وَكَذَلِكَ مَا جاؤوا بِهِ من وظائف الْعِبَادَات، وَمَا أخبروا بِهِ من المغيبات، والمواعظ بالوعد والوعيد، وَالنَّظَر فِي الْفرق بَين الْحَلَال وَالْحرَام والمشتبهات، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا تحويه الرقوم، وَلَا تحيط بِهِ ثاقبات الفهوم، وَمَا عَسى أَن أَقُول فِيمَا قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا} الْآيَة.
إِلَى غير ذَلِك فترى بهائم قد صرف الله قُلُوبهم، وطبع عَلَيْهَا بِطَابع النِّفَاق ينكبون عَن هَذِه الواضحات من الحكم الْبَالِغَة، والبراهين الصادعة، ويقصدون إِلَى أَقْوَال وأفعال لَهُم يتخيلونها مثالب فِي حَقهم، فيُهلِكون وَيهْلِكُونَ من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ.
فلنذكر الْآن مَا نذْكر مِنْهَا لكَوْنهم يستعملون ذكرهَا لتَحْصِيل أغراض لَهُم فَاسِدَة، ثمَّ نعطف على مَا بَقِي مِنْهَا فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.