فهرس الكتاب

الصفحة 2864 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ(158)}

وَالصَّفَا: جَمْعُ صَفَاةٍ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الْمَلْسَاءُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ:

[البحر الوافر]

أَبَى لِي ذُو الْقُوَى وَالطَّوْلِ أَلَّا ... يُؤَبِّسَ حَافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِي

وَقَدْ قَالُوا إِنَّ الصَّفَا وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ يُثَنَّى صَفَوَانِ، وَيُجْمَعُ أَصْفَاءُ، وَصُفِيًّا، وَصِفِيًّا؛ وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:

[البحر الرجز]

كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ

وَقَالُوا: هُوَ نَظِيرُ عَصًا وَعُصِيٍّ وَرَحَا وَرُحِيٍّ وَأَرْحَاءٍ.

وَأَمَّا الْمَرْوَةُ فَإِنَّهَا الْحَصَاةُ الصَّغِيرَةُ يُجْمَعُ قَلِيلُهَا مَرْوَاتٍ، وَكَثِيرُهَا الْمَرْوُ مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ وَتَمْرٌ. قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ:

[البحر الرمل]

وَتَرَى بِالْأَرْضِ خُفًّا زَائِلًا ... فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَحْ

يَعْنِي بِالْمَرْوِ: الصَّخْرَ الصِّغَارَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي ذؤيبٍ الْهُذَلِيِّ:

[البحر الكامل]

حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا الْمُشَرَّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ

وَيُقَالُ «الْمُشَقَّرُ» .

وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الصَّفَا

وَالْمَرْوَةَ

فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْجَبَلَيْنِ الْمُسَمَّيَيْنِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي حَرَمِهِ دُونَ سَائِرِ الصَّفَا وَالْمَرْوِ؛ وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِمَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ، لِيَعْلَمَ عِبَادُهُ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ الْجَبَلَيْنِ الْمَعْرُوفِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ دُونَ سَائِرِ الْأَصْفَاءِ وَالْمَرْوِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}

فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ مَعَالِمِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ مُعَلِّمًا وَمُشْعِرًا يَعْبُدُونَهُ عِنْدَهَا، إِمَّا بِالدُّعَاءِ، وَإِمَّا بِالذِّكْرِ وَإِمَّا بِأَدَاءِ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ عِنْدَهَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ:

[البحر الطويل]

نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا فَجِيلًا تَرَاهُمُ ... شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ

وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَرَى أَنَّ الشَّعَائِرَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِشْعَارِ اللَّهِ عِبَادَهُ أَمْرَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ وَمَا عَلَيْهِمْ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا، فَمَعْنَاهُ إِعْلَامُهُمْ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ تَأْوِيلٌ مِنَ الْمَفْهُومِ بَعِيدٌ.

وَإِنَّمَا أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}

عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا مِنْ مَشَاعِرِ الْحَجِّ الَّتِي سَنَّهَا لَهُمْ، وَأَمَرَ بِهَا خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ. وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَمَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}

[النحل: 123] وَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ. فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا أَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَمِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَمِلَ بِهِ وَسَنَّهُ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَقَدْ أَمَرَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ فَعَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت