يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}
وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قَصَصَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَأَيْأَسَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِيمَانِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}
وَهُمْ إِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ يَعْنِي بِالْأُمِّيِّينَ: الَّذِينَ لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» يُقَالُ مِنْهُ رَجُلٌ أُمِّيٌّ بَيْنَ الْأُمِّيَّةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}
قَالَ: الْأُمِّيُّونَ قَوْمٌ لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَلَا كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ، فَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالُوا لِقَوْمٍ سِفْلَةٍ جُهَّالٍ: {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .
وَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ سَمَّاهُمْ أُمِّيِّينَ لِجُحُودِهِمْ كُتُبَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ"وَهَذَا التَّأْوِيلُ تَأْوِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَا يُعْرَفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَفِيضِ بَيْنَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمِّيَّ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الَّذِي لَا يَكْتُبُ."
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَرَى أَنَّهُ قِيلَ لِلْأُمِّيِّ أُمِّيٌّ نِسْبَةً لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إِلَى أُمِّهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَ كَانَ فِي الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، فَنُسِبَ مَنْ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَخُطُّ مِنَ الرِّجَالِ إِلَى أُمِّهِ فِي جَهْلِهِ بِالْكِتَابَةِ دُونَ أَبِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» وَكَمَا قَالَ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ}
فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْأُمِّيِّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا وَصَفْنَا، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ النَّخَعِيُّ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ}
لَا يَعْلَمُونَ مَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَلَا يَدْرُونَ مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ مِنْ حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ وَفَرَائِضِهِ كَهَيْئَةِ الْبَهَائِمِ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:" {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} "
لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، لَا يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ لَيْسَتْ تُسْتَظْهَرُ إِنَّمَا تُقْرَأُ هَكَذَا، فَإِذَا لَمْ يَكْتُبْ أَحَدُهُمْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْرَأَ""
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"فِي قَوْلِهِ، {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} "
قَالَ: لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا عُنِيَ بِالْكِتَابِ: التَّوْرَاةُ، وَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ فِيهِ الْأَلْفُ وَاللَّامُ لِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ كِتَابٌ مَعْرُوفٌ بِعَيْنِهِ. وَمَعْنَاهُ: وَمِنْهُمْ فَرِيقٌ لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ وَهُمْ يَنْتَحِلُونَهُ وَيَدَّعُونَ الْإِقْرَارَ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ حُدُودِهِ الَّتِي بَيَّنَهَا فِيهِ
{إِلَّا أَمَانِيَّ}
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {إِلَّا أَمَانِيَّ} "
يَقُولُ: إِلَّا قَوْلًا يَقُولُونَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا""
وعَنْ مُجَاهِدٍ:" {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} "
إِلَّا كَذِبًا""
وَقَالَ آخَرُونَ: يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ""
وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"فِي قَوْلِهِ: {إِلَّا أَمَانِيَّ} : تَمَنَّوْا فَقَالُوا: نَحْنُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلَيْسُوا مِنْهُمْ"
وَأَوْلَى مَا رُوِّينَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {إِلَّا أَمَانِيَّ}
بِالْحَقِّ وَأَشْبَهُهُ بِالصَّوَابِ، الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الضَّحَّاكِ، وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ: إِنَّ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَا يَفْقَهُونَ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُوسَى شَيْئًا، وَلَكِنَّهُمْ يَتَخَرَّصُونَ الْكَذِبَ وَيَتَقَوَّلُونَ الْأَبَاطِيلَ كَذِبًا وَزُورًا.
وَالتَّمَنِّي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، هُوَ تَخَلُّقُ الْكَذِبِ وَتَخَرُّصُهُ وَافْتِعَالُهُ، يُقَالُ مِنْهُ: تَمَنَّيْتُ
كَذَا: إِذَا افْتَعَلْتُهُ وَتَخَرَّصْتُهُ. وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَغَنَّيْتُ وَلَا تَمَنَّيْتُ. يَعْنِي بِقَوْلِهِ مَا تَمَنَّيْتُ: مَا تَخَرَّصْتُ الْبَاطِلَ وَلَا اخْتَلَقْتُ الْكَذِبَ وَالْإِفْكَ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {إِلَّا أَمَانِيَّ}
مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ، قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِنَّ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}
فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ مَا يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ ظَنًّا مِنْهُمْ لَا يَقِينًا. وَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتْلُونَهُ بِمَا يَكُونُوا ظَانِّينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ: يَشْتَهُونَهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ إِذَا تَدَبَّرَهُ عَلِمَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الَّذِي يَتْلُو كِتَابًا قَرَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ بِتَرْكِهِ التَّدْبِيرَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ ظَانٌّ لِمَا يَتْلُو إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَاكًّا فِي نَفْسِ مَا يَتْلُوهُ لَا يَدْرِي أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ. وَلَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا يَتْلُونَ التَّوْرَاةَ عَلَى عَصْرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَهُودِ فِيمَا بَلَغَنَا شَاكِّينَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ الْمُتَمَنِّي الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْمُشْتَهِي غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: هُوَ ظَانٌّ فِي تَمَنِّيهِ، لِأَنَّ التَّمَنِّي مِنَ الْمُتَمَنِّي إِذَا تَمَنَّى مَا قَدْ وَجَدَ عَيْنَهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: هُوَ شَاكٌّ فِيمَا هُوَ بِهِ عَالِمٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ وَالشَّكَّ مَعْنَيَانِ يَنْفِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي حَيِّزٍ وَاحِدٍ، وَالْمُتَمَنِّي فِي حَالِ تَمَنِّيهِ مَوْجُودٌ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: هُوَ يَظُنُّ تَمَنِّيهِ.